لم ينجح الرئيس الفرنسي، على رغم الحوار الوطني الذي أطلقه في بداية هذا العام، في احتواء الاحتجاجات الاجتماعية على تراجع مستويات المعيشة والقدرات الشرائية للطبقات الشعبية التي تقودها حركة السترات الصفر. وقد فشل القمع العنيف الذي تعرض له المشاركون في الاحتجاجات، وكيل التهم المختلفة لهم، في الحدّ من زخم هذه الحركة المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

أدت هذه التطورات، وطريقة تعامل إيمانويل ماكرون وفريقه عديم الخبرة والكفاءة السياسية معها، إلى تدني معدلات شعبيته إلى مستويات شديدة الانخفاض، تنعدم معها فرص إعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية. وبما أن البقاء في السلطة عبر تأمين شروط الفوز بولاية ثانية تمثل بالنسبة إليه، ولأمثاله من النخب السياسية الغربية، غاية الغايات، فإنه لم يعدم وسيلة، ولن يعدم، لمحاولة تحقيقها.

كانت قضية فلسطين مدخلاً للسياسة بالنسبة إلى أجيال متتالية من المهاجرين العرب (أ ف ب )

هو يلجأ اليوم إلى توظيف تهمة اللاسامية ضدّ حركة السترات الصفر، بعد تلاسن بين بعض أنصارها ومتفلسف صهيوني هو آلان فيلكنكراوت، تم إثر قيام هذا الأخير بالتجوال المتعمد قرب إحدى نقاط تجمع أنصار الحركة. فيلكنكراوت، المعروف بعدائه للحركة، استفزّ عمداً أعضاءها، فكال له بعضهم الاتهامات بكونه صهيونياً، ولم يصدر منهم أي كلام معادٍ لليهود باعترافه شخصياً. هذا الأمر كان كافياً ليهرع ماكرون إلى العشاء السنوي لـ«المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية»، ويعلن وعده بمساواة مناهضة الصهيونية باللاسامية. هي مقايضة واضحة يلبّي وفقها الرئيس الفرنسي مطلباً قديماً للحركة الصهيونية، مقابل الحصول على دعمها ضدّ السترات الصفر، وتثبيت تهمة اللاسامية عليها. الهدف الواضح هو نزع الشرعية السياسية عن مطالبها المحقة، وعزلها عن القوى السياسية والاجتماعية الأخرى المرشحة للتحالف معها. فتهمة العداء للسامية قد تدفع مجموعات وازنة في صفوف اليسار والمنظمات النقابية إلى التشكيك في حركة السترات الصفر حديثة النشأة، والتي لا تمتلك قيادة فعلية، والعدول عن العمل المشترك معها.
يحاول ماكرون اليوم توظيف تهمة اللاسامية ضدّ حركة السترات الصفر


التوظيف الآخر موجه ضد أبناء المهاجرين، الذين باتوا يلعبون دوراً مركزياً في الحركة التضامنية مع فلسطين في العقدين الماضيين، وفي حركة مقاطعة إسرائيل. لقد كانت قضية فلسطين مدخلاً للسياسة بالنسبة إلى أجيال متتالية من المهاجرين العرب في فرنسا تحديداً. الجيل الأول من العمال المهاجرين، بحسب شهادات العديد منهم، بدأ يهتم بالشأن السياسي من خلال المشاركة في الفعاليات والتظاهرات الداعمة لفلسطين في أواخر ستينيات القرن الماضي. تماهى هؤلاء المهاجرون، رغماً عنهم، بحثا عن لقمة العيش في بلد عنصري واستعماري حتى النخاع كفرنسا، مع الفدائيين الفلسطينيين، وشكّل النضال الفلسطيني حافزاً لهم لكي يتنظموا دفاعاً عن حقوقهم، فتأسست حركات وتيارات مثل «حركة العمال العرب» في بداية السبعينيات، وحركات وجمعيات أخرى. كانت لجميع هذه التنظيمات مساهمة كبيرة في النضالات المطلبية والسياسية التي أتاحت للعمال المهاجرين انتزاع العديد من الحقوق.
الجيل الثاني، أي أبناء المهاجرين الحاصلين على الجنسية الفرنسية، تماهى أيضاً مع المقاومة الفلسطينية عند انطلاق نضالاته من أجل المساواة بالحقوق، وضدّ العنصرية والتمييز، في بداية الثمانينيات. وكان معبراً أن يحرص آلاف الشبان والشابات على ارتداء الكوفية الفلسطينية عند المشاركة في أي تحركات مطلبية أو سياسية. ومنذ انطلاقة الانتفاضة الثانية، دخل الجيل الثالث إلى حلبة السياسة عن طريق التضامن معها، وأصبح العديد من أبنائه قادة للجمعيات والمنظمات العاملة في مجاله، ومنها حركة المقاطعة. هذه الحركة تتسع باطراد، بخاصة في صفوف الأجيال الشابة، لدرجة أن إسرائيل واللوبيات الصهيونية أضحت تنظر إليها على أنها خطر مستقبلي جدي. مساواة العداء للصهيونية باللاسامية يستهدف إرهاب الحركة التضامنية مع فلسطين بكافة مكوناتها، وفي مقدّمهم أبناء المهاجرين المتهمين بالمسؤولية عن «اللاسامية الجديدة». ما يتمناه ماكرون، وقطاع وازن من النخبة السياسية الفرنسية، حقيقة، هو إخراج هؤلاء مجدداً من حلبة السياسة والدفاع عن الحقوق، التي دخلوها من بوابة فلسطين.