المكان والزمان كانا مناسبين، حتى الشخصيات بدت مناسبة: تجمهرٌ لحراك «السترات الصفر» مساء السبت الـ16 من شباط، و«فيلسوف» صهيوني، هو ألان فنكلراوت، موجود في المكان. أحد المتظاهرين أطلق على الأخير توصيفات من نوع: «صهيوني وسخ»... و«اذهب إلى بلدك إسرائيل». مشهدٌ أعطى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مادة دسمة لِيَعد ويتوعّد على أساسها، ويساهم في تحمية نقاش طالما كان محموماً لدى تعلّق الأمر بمعاداة السامية، فكيف إذا تخطّاها إلى «معاداة الصهيونية»؟

تدرّجت الأحداث، من تحقيق فتحه مكتب المدعي العام في باريس غداة الحادثة، ربطاً بما وُصف بـ«الإهانة العامة المرتبطة بالأصل أو العرق أو الإتنية أو الدين»، إلى تظاهرات مناهضة لمعاداة السامية نظمتها «السترات الصفر» وغيرها. لكن ذلك لم يمنع اتهام الحركة بأنها تشجع على معاداة السامية، الأمر الذي تبنّاه «فيلسوف» صهيوني آخر هو برنارد هنري ليفي، قائلاً: «للأسف، لا يمكننا القول إن معاداة السامية هامشية في الحركة، إنها في قلب الحركة».

ماكرون: سنعمد إلى «توسيع تعريف معاداة السامية إلى معاداة الصهيونية» (فليكر)

وفي خضم هذه الأحداث، برز اقتراح عدد من النواب فرض عقوبة على «معاداة الصهيونية»، فيما حضرت تلقائياً مشاكل إيمانويل ماكرون السياسية. لم يكد هذا الأخير يرفض الاقتراح المذكور في الـ19 من شباط في مؤتمر صحافي مع نظيرته الجورجية سالوميه زورابيشفيلي، حتى ناقض نفسه، في اليوم التالي، خلال العشاء السنوي لـ«مجلس ممثلي المؤسسات اليهودية في فرنسا» (Crif). يومها، أظهر الرئيس الفرنسي انعطافة كبيرة وصلت إلى حدّ المغالاة، باعتباره أن «معاداة الصهيونية شكل من الأشكال الحديثة لمعاداة السامية»، قبل أن يعلن أن فرنسا ستعمد إلى «توسيع تعريف معاداة السامية إلى معاداة الصهيونية».
برينيه باكمان: ماكرون يمشي «على خطى نتنياهو»


نقطة انتهت بالنسبة إلى ماكرون. أما بالنسبة إلى مختلف المحللين والنقاد، فقد انطلق نقاش من نوع آخر في شأن مدى خطورة هذه الخطوة، بل أيضاً مدى صحة طريقة التفكير التي يتّبعها ماكرون بخصوصها. عاد الكثيرون عامين إلى الوراء، تحديداً إلى تموز 2017، حين أعلن ماكرون في الذكرى الـ75 لحملة «فال ديف» (أكبر الحملات التي استهدفت اليهود على الأراضي الفرنسية)، أنه لن يتنازل أمام «معاداة الصهيونية» التي اعتبرها، أيضاً، الشكل الجديد من معاداة السامية.
ذلك الحدث كان مثيراً للجدل على أكثر من مستوى، خصوصاً أنه شهد للمرة الأولى مشاركة رئيس وزراء إسرائيلي، هو بنيامين نتنياهو، في مراسم إحياء الذكرى. وبناءً على اندفاعة ماكرون القوية التي شهدتها تلك المناسبة، وعشاء ممثلي المؤسسات اليهودية، عكف عدد من المتابعين على ربط الحدثين بعضهما ببعض، حتى وصل الأمر برينيه باكمان، في موقع «ميديابار»، إلى توصيف ماكرون بأنه يمشي «على خطى نتنياهو». «هل يظن ماكرون، فعلاً، كما إيمانويل فالس قبله، أن معاداة الصهيونية تساوي معاداة السامية، أم أنه يعرض هذه المغالطة لأسباب سياسية غامضة وكارثية؟»، تساءل الكاتب. وبالاستناد إلى نظرية أن الرئيس الفرنسي كان يسعى للحصول على تعاطف «بيبي (بنيامين نتنياهو) العزيز» عام 2017، رأى الكاتب أنّ «من المؤكد أن دعم العزيز بيبي ورفاقه ثمين بالنسبة إلى ماكرون في الأوقات الصعبة التي يمر بها».
عام 2018، ردّ الكاتب والصحافي الفرنسي، دومينيك فيدال، بدوره، على ماكرون عبر كتاب «معاداة الصهيونية = معاداة السامية؟»، واصفاً أقواله بـ«الخطأ التاريخي»، الذي ضاعفه بـ«غلطة سياسية». وقبل أيام، عاد فيدال إلى انتقاد ماكرون. وفي مقال في صحيفة «لو موند»، أكد أن «معاداة الصهيونية» «يجب ألّا تشكل جريمة»، متسائلاً: «منذ متى، يُعتبر انتقاد فكرة سياسية ما ــ في هذه الحالة، تلك التي أنشأها تيودور هيرتزل مؤسس الصهيونية ــ جريمة؟».
وخلص الكاتب إلى أن «رئيس مجلس ممثلي المؤسسات اليهودية في فرنسا، من خلال هذا المشروع، يريد أن يكرّس الرقابة، من أجل تكميم الأفواه التي تنتقد تطرف نتنياهو». وفي إشارة إلى أن تجريم «معاداة الصهيونية» قد يمسّ شريحة كبيرة من الناس، لفت فيدال إلى استطلاع أجراه «المعهد الفرنسي للرأي العام»، أفاد فيه بأن «57% من الفرنسيين لديهم صورة سيئة عن إسرائيل، فيما يكوّن 69% صورة سيئة عن الصهيونية، و71% يعتقدون أن تل أبيب تحمل مسؤولية كبيرة» عن المأزق الذي دخلت فيه مفاوضات السلام.