تستعيد المنظومة العسكرية «الشرقية» عافيتها بعد الترهّل والتقادم الذي أصابها منذ السنوات الأخيرة قبل انهيار الاتحاد السوفياتي. موسكو الطليعية في مجال بناء المدرسة العسكرية الشرقية، بمواجهة المدرسة الغربية، عادت أيضاً لتؤدي دورها الطبيعي في تطوير المفاهيم العسكرية وتحديثها، فضلاً عن الأسلحة والتكتيكات القتالية الحديثة. من البوابة الروسية الشرقية، أطلَّ «الجيش الأحمر» الروسي على العالم، وإلى جانبه بضعة آلاف من ملايين جيش التحرير الشعبي الصيني، بالإضافة إلى فرقة من الجيش المنغولي، في أضخم مناورات عسكرية منذ 37 عاماً، باسم «فوستوك 2018» (الشرق 2018).

عام 1981، أجرى «الجيش السوفياتي»، بمشاركة قوات من حلف «وارسو»، مناورات عسكرية كبرى تحت مسمّى «زاباد 1981»، استمرّت على مدى ثمانية أيام، وشارك فيها ما يقارب 100 ألف جندي وضابط. التدريبات حينها اختبرت عدداً من الأسلحة الحديثة، كان أبرزها الصاروخ الباليستي «SS-20» ذو المدى المتوسّط ​​(الذي حُظِر لاحقاً بموجب معاهدة حظر الأسلحة النووية). السيناريو الذي وُضع حينها كان عبارة عن قيام حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالإعداد لغزو حلف «وارسو»، إلا أنه، بموجب السيناريو الموضوع، اكتشفت موسكو الاستعدادات التي تقوم بها بروكسل، وتصدّت لها بنجاح. كذلك حاكت المناورة هجوماً مضادّاً في ألمانيا (المنقسمة حينها)، واستخداماً استباقياً للأسلحة النووية التكتيكية ضد القوات الغربية «المعادية».
حتى مناورات «الشرق»، التي تجري حالياً، كانت مناورات «زاباد 1981» أكبر المناورات التي أجرتها روسيا أو الاتحاد السوفياتي. إلا أن مناورات اليوم تجاوزت «زاباد 1981» بالعديد والسلاح، فضلاً عن تغيير جذري في التدريبات والتجهيزات العسكرية الروسية، التي كانت تعتمد في ما سبق على قوة الأسلحة النووية التي تملكها، بينما اليوم تعمل على مجاراة الجيوش الغربية ومواجهتها دون اللجوء إلى الأسلحة النووية، بل بالتطوير والتحديث والتعاون مع القوى الحليفة. وتجدر الإشارة إلى أن المناورات تجري في المنطقة الشرقية، وجزء من المنطقتين الشمالية والوسطى، بينما لا تدخل المنطقة الغربية، المحاذية لدول الاتحاد الأوروبي، في إطار المناورات إطلاقاً. على مدى سبعة أيام، امتدت المناورات التي انتهت أمس، وشاركت فيها قوات المناطق العسكرية الروسية الشرقية والوسطى، وقوات أسطول الشمال، وجميع الوحدات العسكرية التابعة لقوات الإنزال الجوي، ونحو 300 ألف جندي وضابط، وحاكت عدداً من السيناريوات المختلفة، أبرزها هجوم معادٍ بالغواصات عبر بحر أوخوتسك على الحدود الروسية الشرقية، إذ قطع بحارة أسطول الشمال الروسي، للمرّة الأولى، الطريق البحرية الشمالية من بحر بارنتس (غرباً) إلى تشوكوتكا (أقصى الشرق)، مصحوبين بكاسحة الجليد النووية «50 Let Pobedy»، وكاسحة الجليد «إيليا موروميتس».

أبرز مجريات المناورات الضخمة
اليوم الأول من المناورات كان عبارة عن تحضيرات وتجهيزات لنقل القوات المشاركة في المناورات ونشرها وتوزيعها. إذ شهد وصول الطائرات الحربية والعمودية التابعة للقوات الجوية في جيش التحرير الشعبي الصيني إلى المطار الجوي الروسي. كذلك تدرّب جنود مشاة البحرية الروسية على معدات تحميل سفن «الأسطول الباسيفيكي»، ونقل الذخائر، وتجهيز مراكب الإنزال الكبيرة، وذلك تمهيداً للإنزال البحري على شاطئ غير معدّ مسبقاً، في سعي لمحاكاة أكثر واقعية. أما في اليوم الثاني، فقد نشرت أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات «S-300» و«S-400»، وأنظمة الصواريخ المضادّة للطائرات «بانتسير- S». كذلك أُطلِق صاروخ «كروز» (جوّال) من مدمّرة في أسطول المحيط الهادئ، متمركزة في بحر أوخوتسك. وشهدت السماء الشرقية الروسية تحليق حاملات الصواريخ الاستراتيجية «Tu-95MS» و«Su-35S» من أجل رحلات مجدولة فوق مياه بحار شرق سيبيريا والمحيط المتجمّد الشمالي.

ركّزت المناورات في جزء منها على ما يعرف بـ«التنسيق البيني»


اليوم الثالث كان يوم الذروة في المناورة، حيث سيشهد ميدان «تسوغول» عرضاً عسكرياً بحضور الرئيس فلاديمير بوتين، لذا تعيّن على القوات العسكرية الروسية والصينية والمنغولية تحميل المعدات العسكرية عبر طائرة من «طراز Il-76MD» في مطار «بيلايا» في منطقة إيركوتسك. كذلك استُخدِمَت طائرة نقل ثقيلة من طراز «Mi-26» لنقل الآليات الثقيلة والمدرعات إلى ميدان «تسوغول»، حيث ستكون المرحلة «النشطة» من المناورات. حضر بوتين إلى حقل «تسوغول» التدريبي. ومن على منصّة مرتفعة، شاهد، وإلى جانبه كل من وزير الدفاع الروسي ونظيره الصيني وقائد أركان الجيش المنغولي وقادة الجيش الروسي، العرض الذي تؤديه قوات من الجيوش الثلاثة المشاركة في المناورات. تحدّث بوتين إلى الحاضرين وقال: «اليوم، اكتملت المرحلة الأكثر نشاطاً في ميدان تسوغول التدريبي». ولفت إلى أن المناورات «أظهرت قدرة روسيا على مواجهة أي تهديدات جدية»، مؤكداً أن «روسيا لا تتبنّى أي خطط عدوانية». ثم استكملت القوات عملها، وأُطلِق اثنان من صواريخ كروز «اسكندر- إم» الباليستية، المُوجّهة إلى المرافق الحساسة للعدو المفترض، وهذا النوع من الصواريخ هو من أبرز ما استُخدم خلال المناورات، إذ إنه من أفضل الصواريخ البالسيتية في العالم، ومهمة التصدي له «شبه مستحيلة»، ولم تزوّد موسكو أي دولة بعد بهذا الطراز تحديداً. وحاكت قوات الدفاع الجوي هجوماً صاروخياً، تصدّت له عبر إطلاق صواريخ «S-300 SIR»، وأنظمة الصواريخ الاستكشافية «بوك». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن أسلحة منظومة الدفاع الجوية الروسية كافة التي استُعرِضَت في المناورات الجارية موجودة في سوريا (داخل القواعد الروسية وخارجها)، وجزء منها زُوّد به الجيش السوري في فترات سابقة، وقد استَخدم منها المنظومات القصيرة والمتوسطة المدى كـ«البانتسير»، والصواريخ الاستكشافية «بوك»، أثناء التصدّي للعدوان الغربي على سوريا منذ أشهر.
في اليوم التالي، أي اليوم الرابع للمناورة، أُجريت محاكاة لعملية إنقاذ بحرية لسفن ومراكب أصيبت. ونُفِّذ هبوط لقوة الإنزال التكتيكي (عدد قليل ومهمة محددة)، والهبوط الجماعي للقوات الروسية. وقد ناورت القوات مُحاكِية مواجهة هجوم برّي من خلال القصف المدفعي والصاروخي، واستخدام الطائرات الحربية، فضلاً عن قصف عنيف ومكثّف لأهداف عسكرية، بصواريخ من طراز «أورغان». وهنا، تجدر الإشارة أيضاً إلى أن هذا النوع من الصواريخ قد استُخدم في الرد السوري على الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، حيث قُصِفت به مواقع الحافّة الأمامية للجيش الإسرائيلي في الجولان المحتل. وبالنسبة إلى اليوم الخامس، فقد حاكت القوّات المناوِِرة توغّلاً برّياً بالدبابات نحو خطوط العدو، وذلك بغطاء ناري. أما القوات الخاصة، فقد قامت بعمليات دقيقة وخاطفة خلال المعركة. وبالإضافة إلى ذلك، قامت القوات الروسية بمحاكاة لسيناريو سيطرة غوّاصات معادية على منطقة شاطئية في قاعدة «كليرك» العسكرية على شبه جزيرة في منطقة «بريموريي»، الواقعة في أقصى الشرق، بدعم من الطيران والمدفعية.
أما اليوم السادس، وهو ما قبل الأخير من المناورة التي انتهت أمس، فقد شهد عبور نهر أونون في ميدان «تسوغول»، واجتياز أكثر من 115 آلية عسكرية العوائق المائية وغيرها، ونقل الوحدات العسكرية الروسية والصينية إلى خط الجبهة المفترضة، تحت ستار ناري مدفعي وجوّي. وأمس، آخر يوم من المناورات، كان لافتاً أيضاً، إذ حاكت القوات الروسية تعرّضها لهجوم بموادّ «كيميائية»، وكيفية مواجهة الأمر، سواء عبر تجهيز الجنود بالأقنعة والألبسة اللازمة، أو عبر معالجة الآليات التي تعرّضت للمواد السامة، وإخلائها وتنظيفها.
يظهر أن مرحلة جديدة من التنسيق العسكري «الروسي - الصيني» تتبلور في الفترة الحالية. لا يمكن القول حتى الآن إنها اتفاق كامل أو «تحالف» عسكري. وقد ركّزت المناورات، في جزء منها، على ما يُعرف بـ«التنسيق البيني»، وهو التنسيق بين قوتين منفصلتين، ضمن معركة واحدة، وهذا ما اكتسبه الروس من التجربة السورية. لذا، يمكن القول إن مرحلة الأنشطة العسكرية الصينية ــ الروسية السابقة، التي كانت رمزية وإعلامية، قد انتهت.


الغرب «يرصد»
يقف حلف «الناتو» موقف «الراصد» القلِق لما يجري في المناورات العلنية. بالطبع، هو رفع من نسبة جاهزية قواته على الحدود مع روسيا، وأعلن مراراً أن قواته تقوم بمهماتها الكاملة، وهي جاهزة لأي «حادث». إلا أنه لا تخوّف مباشراً من المناورات. يرجع هذا، في جزء كبير منه، إلى حقيقة أن مسرح المناورات، أي «فوستوك»، هو في أقصى شرق سيبيريا، لذلك لا تبرز المخاوف نفسها التي شعرت بها دول «الناتو» العام الماضي مثلاً، في الوقت الذي جرت فيه مناورة «زاباد 2017» في بيلاروسيا؛ إذ كانت، على رغم صغرها، قريبة من دول شمال الأطلسي، وبالتالي اعتبرتها خطراً مباشراً. وفيما تصرّ موسكو على أن المناورات «مقرّرة منذ وقت طويل، وهي دفاعية بحتة» (المناورات جرى التحضير لها منذ ربيع 2018)، قال حلف شمال الأطلسي إنها تحاكي «نزاعاً واسع النطاق». ومن ضمن ما يُقلق دول «الناتو»، استخدام وحدات الحرب الإلكترونية الروسية في المناورات الخبرة المكتسبة في سوريا؛ إذ جُرّبت منظومتا «Silok» و«p-330 jitel» المضادّتان للطائرات المسيّرة. كذلك فإن من ضمن ما يُقلق الغرب نظام الصواريخ المتنقلة عبر الطرق والسكك الحديدية، والقادر أيضاً على حمل العديد من الرؤوس الحربية التقليدية، بما في ذلك المتفجّرات الشديدة، ومخترِقات الأرض، وغيرها، وذلك بسرعة وانتظام، ما يشكّل قدرة على دعم الجبهات بسرعة، وتجاوزاً لعوائق البعد الجغرافي.
(الأخبار)