حصار مطبق باتت تفرضه موجة الفضائح الخارجة من محكمة نيويورك وملفات المحقق الخاص روبرت مولر، حول البيت الأبيض وساكنه. القضيتان، وأكثر من أي وقت مضى، أحيتا الحديث في واشنطن حول سيناريوات عزل الرئيس. ووسط الأعاصير القانونية المحيطة بالرجل، بات دونالد ترامب، وبصورة هستيرية، يكثّف تصريحاته النارية صوب أكثر من اتجاه، بلغت ذروتها أمس مع التحذير من مصير الاقتصاد الأميركي في حال عزله من منصبه.

ليس جديداً على الرئيس الأميركي دونالد ترامب مواجهة الفضائح والتهم التي تحوم حول شخصيته المثيرة للجدل منذ ما قبل ترشحه للانتخابات الرئاسية إلى ما بعد دخوله البيت الأبيض. لكن هذه الملفات، وبعد مفاجأة اعترافات محاميه الشخصي السابق مايكل كوهين، قرّبت السيف إلى رقبة ساكن البيت الأبيض أكثر من أي وقت مضى. كوهين، الذي بات ينصح ترامب الناس بعدم اللجوء إليه «إن احتاجوا رجل قانون جيداً»، كان الرئيس الحالي موكله الخاص، قبل أن يصبح كابوساً يتهدد سمعة ترامب، بل وربما مستقبله داخل البيت الأبيض، في حال اتخذت القضية بعداً دراماتيكياً.
فالسؤال الأول اليوم في أميركا: كيف يمكن أن يجرّم كوهين فيما لا يعد الرئيس متورطاً بأي مخالفة؟ وكذلك يتورط مدير حملته الانتخابية السابق بول مانافورت، فيما تصرّ الناطقة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز، على أن إقرار كوهين بالذنب لا يورّط الرئيس، متمسكة بأن ترامب لم يرتكب أي عمل سيء في ما يتعلق بالأموال المدفوعة لكوهين. إقرار كوهين أمام المحكمة كان واضحاً: رتبت «بناء على توجيهه» من ترامب لدفع مبلغَي 130 و150 ألف دولار لممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانييلز، ونجمة مجلة «بلاي بوي» السابقة كارن مكدوغال، اللتين قالتا إنهما أقامتا علاقة مع ترامب، وذلك مقابل التزامهما الصمت حيال معلومات «كانت ستسيء إلى المرشح». الشهادة التي أدلى بها كوهين أمام محكمة نيويورك، في إطار صفقته مع الادعاء، أقر فيها بارتكاب مخالفات في ما يتعلق بتمويل الحملة الانتخابية لترامب والتهرب من الضرائب والاحتيال المصرفي.

لا يزال الغموض يلف إمكانية ارتباط قضية كوهين بملف التدخل الروسي


وبدا الرئيس الغاضب هذه الأيام من عاصفة الفضائح التي أطلقتها محاكمة كوهين، منخرطاً في المحاكمة من خلف «تويتر» حيث غرّد محاججاً، وبلا أدلة، أن مخالفات تمويل الحملة التي اعترف بها كوهين «ليست جريمة». التغريدة التي نشرها ترامب لتكشف حالة الهستيريا المسيطرة على الرجل، أتت لتكرر كلام محاميه رودي جولياني الذي زعم أن الأموال التي دفعها كوهين «أموال شخصية» ولا علاقة لها بالحملة الانتخابية. ولم يكتف ترامب باتهام كوهين باختلاق القصص، لكنه وجّه ما يشبه التهديد للمؤسسات الأميركية في حال فكروا بعزله من منصبه. ورأى ترامب، في مقابلة مع «فوكس نيوز»، أن الاقتصاد الأميركي «سينهار» في حال تم عزله. وقال: «أقول لكم إنه في حال تم عزلي، أعتقد أن الأسواق ستنهار. أعتقد أن الجميع سيصبحون فقراء جداً»، مضيفاً: «لا أعرف كيف يمكن عزل شخص قام بعمل رائع»! ولم يوفر غضب ترامب وزارة العدل الأميركية، التي اتهم وزيرها جيف سيشنز، بأنه «لا يُحكم إدارة الوزارة». الأخير، وفي رد نادر له، علق على اتهامات ترامب بالقول: «توليت زمام الأمر في وزارة العدل في اليوم الذي أديت فيه اليمين لتولي المنصب... خلال وجودي في منصب وزير العدل لن تتأثر أفعال الوزارة بالاعتبارات السياسية».
وتعد الفوضى القضائية التي تحيط بالبيت الأبيض، الأسوأ من نوعها، بعد أن أتت اعترافات كوهين في موازاة إدانة رئيس حملته السابق بول مانافورت، بالاحتيال الضريبي والمصرفي، في أول قضية تنبثق من التحقيق في «التدخّل الروسي في انتخابات 2016» والذي يجريه المحقق الخاص روبرت مولر. كل ذلك أعاد تحريك المياه الراكدة حول مصير ترامب، وإمكانية محاكمته وعزله، وفتح باب الأسئلة واسعاً حول السبل القانونية لسلوك طريق مماثل. وفي ظل غموض النص الدستوري في أميركا، وكذلك تعدد التفسيرات لمخالفة قوانين الحملات الانتخابية وغموض التوصيف الواضح في قضية كوهين، إلى جانب صعوبة توجيه اتهام للرئيس أثناء شغله منصب الرئاسة، فإن السيناريو الأقرب، وفق خبراء، هو المساءلة البرلمانية، التي قد تفضي إلى عزل الرئيس عبر توجيه تهمة الخيانة أو الرشوة أو غيرها مما يعد «جنحاً وجرائم كبرى». وسبق لمجلس النواب الأميركي أن نفذ مساءلات مماثلة، واحدة لأندرو جونسون (1868)، والثانية لبيل كلينتون (1998)، لكن في الحالتين لم توافق الغالبية المطلوبة في مجلس الشيوخ على العزل. والجدير ذكره أنه في حالة عزل الرئيس فإن نائبه يتولى مهامه مباشرة.
حتى الآن، لا يزال الغموض يلف إمكانية ارتباط قضية كوهين بملف التدخل الروسي في الانتخابات. إذ إن وسائل إعلام أميركية أشارت، أمس، إلى أن كوهين وفي شهادة تحت القسم العام الماضي كان نفى علمه إذا ما كان ترامب على علم باجتماع عقد في برج ترامب مع الروس في 2016. وهي رواية تتعارض مع مزاعم حول إبداء كوهين استعداده إبلاغ المحقق الخاص مولر حول تفاصيل القضية. وأمام كل ما يجري من حول البيت الأبيض تتوجه الأنظار إلى الديموقراطيين وطريقة تصرفهم في الكونغرس حيال الموضوع، حيث باتت الفرصة سانحة لتوجيه الضربة القاضية تجاه الرئيس الجمهوري، خصوصاً على أعتاب الانتخابات التشريعية التي بات الجمهوريون فيها يعانون من ترامب كحصان رهان خاسر.