لم يتأخر دونالد ترامب عن موعده لإعادة العقوبات على إيران. ما اختلف هو أن خطابه المترافق مع التوقيع على الحزمة الأولى من العقوبات جاء أدنى من المتوقع، أو على الأقل مختلفاً عن خطابه العالي السقف وقت الانسحاب من الاتفاق النووي. ركّز الرئيس الأميركي، أمس، على «الانفتاح» على الحوار لصياغة اتفاق جديد، مؤكداً بتصريحاته جدّية مقترحه حول اللقاء والتفاوض مع الإيرانيين قبل أيام. في الوقت نفسه، دعا ترامب النظام الإيراني إلى أن يختار: «إما أن يغيّر سلوكه المزعزع للاستقرار ويندمج مجدداً في الاقتصاد العالمي، وإما أن يمضي قدماً في مسار من العزلة الاقتصادية». ومع تصريح ترامب بأنه «في وقت نواصل فيه ممارسة أكبر قدر من الضغط الاقتصادي على النظام الايراني، أبقى منفتحاً على اتفاق أكثر شمولاً يلحظ مجمل أنشطته الضارة، بما فيها برنامجه البالستي ودعمه للإرهاب»، فإنه يبقي بذلك على سياسة العصا والجزرة مُسلّطة على طهران، مدفوعاً بتوقّع أن تشعر إيران بضرورة أن تُيمّم وجهها صوب البوابة الأميركية للاحتفاظ بأي مكاسب تتعلق بـ«الاعتراف» الدولي والنفوذ الإقليمي.

على المقلب الإيراني، لم يتأخر الرد هناك كذلك، ولم يكن جديداً، حيث يتماسك النظام في طهران أمام موجة الضغوط الأميركية، مُصرّاً على الصمود في وجهها. وبعيداً من «المبدئية» السياسية، يرى الإيرانيون أن مواجهتهم الجديدة أفضل حالاً من سابقاتها، حيث تخوض واشنطن جولتها المتجددة مُنفرِدة، بينما الأقطاب الدولية الباقية ليست معنية هذه المرة بالانخراط في الإجراءات الأميركية. هذا ما حاول الرئيس الإيراني، حسن روحاني، التعبير عنه في خطاب متلفز وجّهه للشعب الإيراني، حيث لفت إلى أن «الصين وروسيا أعلنتا، وبكل صراحة، أنهما ستقفان بوجه الضغوط الأميركية، وأنهما عازمتان على الحفاظ على الاتفاقيات الموقّعة مع إيران». وأشار روحاني إلى أهمية العلاقات مع الدول الآسيوية الأخرى، و«في نفس الوقت نتطلع إلى علاقات أوثق مع دول الاتحاد الأوروبي». وهي إشارة تستهدف حرمان واشنطن من فرصة الاستثمار في الضغط على الأوروبيين من جهة، ومن جهة أخرى إشعار الأوروبيين بأن موسكو وبكين ستكونان الأكثر استفادة تجارياً من إيران في المرحلة المقبلة في إطار البدائل الجاهزة، ما يشجّع على الصمود الأوروبي بوجه ضغوط واشنطن لعدم التفريط بالمصالح مع طهران. وشرح روحاني الموقف الأوروبي بأنه «جيّد من الناحية السياسية»، موضحاً أن المشكلة تكمن في شراكة الدول الأوروبية مع واشنطن، والتي «تتعرّض لضغوط أميركا والعقوبات». وقال إن حكومته لا تزال تنتظر «الإجراءات العملية من الجانب الأوروبي».

أكد الأوروبيون التزامهم بحماية الشركات المتعامِلة مع إيران بشكل مشروع


أما الأهم في خطاب روحاني فكان تقديم الإجابة عن عرض التفاوض المُقدّم من ترامب، واضعاً الشروط المطلوبة إيرانياً لأي عودة إلى طاولة الحوار تحت عنوان «أصول ومبادئ التفاوض». فرأى روحاني أن «لا معنى للتفاوض في ظل العقوبات»، مبدياً الاستعداد للجلوس إلى طاولة المفاوضات في حال قدمت واشنطن «اعتذاراً لإيران ودفعت تعويضات للشعب الإيراني بسبب تدخلاتها في شؤوننا الداخلية». وشكّك الرئيس الإيراني في جدية عرض ترامب للتفاوض، مرجّحاً أن تكون وراءه غايتان: «تشكيك الشعب الإيراني في قيادته ونظام بلده من خلال الحرب النفسية، أو تحقيق مكاسب انتخابية لحزبه في الانتخابات المقبلة للكونغرس الأميركي». وغمز روحاني من قناة الاتهامات الأميركية للدور الإقليمي لإيران، مشدداً في محاولة لـ«سحب الذرائع» على أن بلاده ماضية في اجتثاث جذور الإرهاب في العراق وسوريا، ومعتبراً أن «الأوضاع في المنطقة تسير نحو التحسن وإرساء أسس الأمن والاستقرار». وشدد على أن طهران «طالما كانت داعية للحوار والتفاهم مع العالم، خصوصاً دول المنطقة، ونحن على استعداد لإعادة العلاقات إلى نصابها مع اثنتين من الدول التي شهدت علاقاتنا معها بعض التوتر». وقلّل روحاني من خطر الإجراءات الحالية، واضعاً «أساس الخطر» في إطار الجولة الثانية من العقوبات بعد ثلاثة أشهر، حيث سيطال الحظر النفط والمصارف، مشدداً على ضرورة الوحدة الداخلية لإنجاح سياسة الصمود أمام الضغوط والتدخلات الخارجية.
دولياً، لم يحظ الإعلان الأميركي عن دخول العقوبات حيّز التنفيذ بترحيب سوى من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مقابل «أسف» الاتحاد الأوروبي الذي أكد التزامه، في بيان، بحماية الشركات الأوروبية «التي تجري نشاطات تجارية مشروعة مع إيران، بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي، وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة». وأوضح البيان أن قوانين حماية الشركات ستدخل حيّز التنفيذ ابتداءً من الثلاثاء.