لندن | رغم اعتياد مبالغات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن وصفه بريطانيا، خلال زيارته الأخيرة للندن منتصف الشهر الجاري، بأنها «أمّة وكأنها في أزمة» يكاد يكون أدق وصف لحقيقة الأوضاع السياسية في المملكة المتحدة التي تبدو كأنها الكابوس الأسوأ الذي تعيشه البلاد ربما منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية.

فبينما لا يفصل المملكة عن موعد استحقاق تنفيذ قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي سوى ثمانية أشهر، فإنّ «لا أحد في بريطانيا لديه أدنى فكرة عمّا سيكون عليه شكل اليوم التالي بعد بريكست»، وفق تعليق أحد الخبراء، إذ إن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي لا تحظى بدعم كاف لاستراتيجيتها، حتى داخل حزبها «المحافظين» الحاكم، حيث تدور رحى حرب أهلية قاسية بين صقور الحزب وحمائمه، في ما يتعلق بشأن العلاقات المستقبلية مع أوروبا. ويبدو البرلمان، الذي لا أغلبيات حاسمة فيه لأي قوى سياسيّة، منقسماً بشدة حول «بريكست» أيضاً وعاجزاً عن اتخاذ توجه محدد، في الوقت الذي يستمر فيه زعيم «حزب العمال» المعارض جيريمي كوربن في تجنّب تبنّي أيّ مواقف حادة ومحاولة امتصاص تهمة العداء للساميّة التي يتولى «حزب العمال واليهود الصهاينة» اليميني ترويجها ضدّه. وقد فضّل، على ما يبدو، انتظار انفجار الأوضاع بشكل أو بآخر، وهو الأمر الذي قد يعني تسلمه مفاتيح مقر رئاسة الوزراء في «10داوننغ ستريت».
ماي التي منحت البرلمان إجازة صيفية مبكرة، وغادرت برفقة زوجها إلى إيطاليا في إجازة شخصية، أرادت أن تشتري مزيداً من الوقت لترتيب الأوراق ودراسة الخيارات بعد المواجهة الأخيرة داخل حكومتها حول ورقتها البيضاء بشأن «بريكست»؛ الورقة التي أظهرت توجهها لتبنّي سياسات أقل تصلّباً بشأن مستقبل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي. التصويت على تلك الورقة كان تسبّب في صدام حاد داخل الحزب الحاكم، بين معسكر يريد قطيعة تامة مع الاتحاد وآخر يرى ضرورة تجنيب البلاد أزمة اقتصادية تلوح في الأفق، من خلال التوافق على انسحاب منظم وناعم من العلاقة يبقي على بعض الأبواب مفتوحة، لا سيما في ما يتعلق بالسوق الموحدة والجمارك. وقد تسبب ذلك الصدام باستقالة وزير الخارجية بوريس جونسون، والوزير المكلف بملف «بريكست» ديفيد ديفيس، إلى جانب وزير دولة، مع نقل صلاحيات المفاوضات إلى الحكومة مباشرة بدلاً من فريق التفاوض الذي كان يقوده الوزير المستقيل.
هذه الأجواء من الشلل في مواجهة الاستحقاقات رفعت مستويات القلق بين البريطانيين إلى درجة الهلع من سيناريو «السقوط في الهاوية» في الربيع المقبل. ومن الممكن أن يصبح عدة ملايين من المواطنين والمقيمين في حالة التباس قانوني واجتماعي، وقد تتوقف حركة النقل البري من البر الأوروبي بسبب الغموض في الإجراءات الجمركية، وهو ما قد يعني بالضرورة نقصاً في توافر المواد الاستهلاكية، وتعطل الملاحة الجوية باتجاه مطارات دول الاتحاد لفقدان شركات الطيران البريطانية حقوقها «المتبادلة» في استخدام مطارات القارة. لذلك، فإن الحكومة البريطانية التي استشعرت هذا القلق اضطرت إلى الإعلان عن أنها في صدد بناء خطط للتعامل مع أي طوارئ قد تنتهي إليها البلاد في "اليوم التالي لبريكست"، بما في ذلك إصدار تحذيرات وتوجيهات للمواطنين بشأن كيفية التعامل مع انقطاع الأدوية أو المواد الاستهلاكية مثلاً، أو طبيعة الوثائق التي ينبغي أن يحملها المواطنون البريطانيون إن رغبوا في العبور بسيارتهم إلى الجانب الفرنسي، إضافة إلى بناء رصيد استراتيجي من المواد الغذائية الأساسية يمكن أن يكفي البلاد لعدة أشهر.

معارضو «بريكست» يتخيّلون تمرّداً مقبلاً في وستمنستر


هذا الإعلان المتسرّع تسبب بعكس ما أرادته الحكومة تماماً، إذ قرأه البريطانيون على أنه تأكيد لواقعية مخاوفهم من سيناريوات المستقبل القريب. ولم تفلح الأنباء عن رفع درجة التأهب لدى الجيش البريطاني للتعامل مع مترتبات محتملة لطلاق عنيف مع الاتحاد في طمأنة المواطنين، ولا سيّما أن الشركات الكبرى في البلاد بدأت باتخاذ إجراءات عملية لإدارة المرحلة، كان آخرها قرار «دويتشه بنك» ـــ أحد أكبر البنوك العالميّة ـــ بنقل نصف عمليات الخزانة فيه من لندن إلى فرانكفورت، تمهيداً لسحبها بالكامل في حال تطورت الأوضاع. كذلك، يبدو الأوروبيون بدورهم، غير متفائلين بالوصول إلى اتفاق حول «بريكست» قبل الربيع المقبل. وقد أصدرت المفوضية الأوروبية توجيهات عاجلة للدول الأعضاء بالإعداد لما سمّته «كل الاحتمالات الممكنة»، وهو ما يعني عملياً الاستعداد للتعامل مع حركة البضائع والأفراد من بريطانيا وإليها كما لو كانت متجهة إلى روسيا أو الجزائر مثلاً.
من المؤكد أن سيناريو الفوضى هذا لن يكون جيداً لأي من الأطراف، ولا شك في أن العقلاء على جانبي القتال الانكليزي، يدركون أن من مصلحة الجميع التوصل إلى اتفاق ما حول الطلاق بين الطرفين، ويفضّل أن يكون ودياً قدر الإمكان. لكن الاقتناعات شيء، وتنفيذ الأمور على أرض الواقع شيء آخر، إذ إن الخلاف حول إدارة الحدود البرية بين إيرلندا الشمالية ــ الخاضعة لسلطة لندن ــ والجمهورية الإيرلندية، لا يزال عقدة كبرى يصعُب تجاوزها من دون تنازلات سيادية لا يقدر على تقديمها أحد، أقله في الوقت الحالي، وقد تتسبب وحدها في قطيعة تجارية بين الطرفين.
ويلمس المراقبون في بروكسل توجّهاً في كواليس الاتحاد للتساهل مع لندن، وربما قبول اتفاق طلاق ودّي في إطار ورقة ماي البيضاء التي قدمتها لحكومتها قبل أزمة الاستقالات الأخيرة. لكن يصعب أن تجد أحداً في أروقة المفوضية الأوروبية لديه الثقة بقدرة تيريزا ماي على تمرير حلّ وسط كهذا داخل حزبها الحاكم، فضلاً عن البرلمان الشديد الاستقطاب. وبالفعل، فإن خطة الورقة البيضاء لم تعد ذات صلة بعد أن اضطرت ماي إلى تقديم تنازلات لصقور حزبها بشأن عدة محاور فيها، وهو ما تسبّب لاحقاً في استقالة وزير آخر من الحكومة محسوب على حمائم المحافظين، لما اعتبره تردداً لا يمكن قبوله من الحكومة في هذه المرحلة.
مع ذلك، ربما تكون رئيسة الوزراء الوحيدة القادرة على فعل شيء لتحريك بريطانيا من هذه النقطة الدقيقة التي علقت فيها في تقاطع الزمان والمكان، إذ يمكنها نظرياً ــــ إن هي نجحت في قطع الطريق على المتآمرين في حزبها ـــ أن تقنع الاتحاد بنيات طلاق ودّي، لا سيّما في ما يتعلق بشأن الحدود مع إيرلندا، بينما تكسب عامين آخرين لحكومتها (حتى 2020) لاستكمال التحضيرات التفصيلية اللازمة لتحقيق نوع من انسحاب منظم بأقل الخسائر الممكنة. ولعل إحدى الطرق التي قد تساعدها لتمرير مشروع النيات الحسنة هذا في البرلمان،، تكون في بناء تحالف "وطني" عابر للأحزاب المعارضة لـ«بريكست» متصلّب، وإن كان ذلك أمر يصعب تحقيقه من دون تشكيل حكومة جديدة بالتوافق مع المعارضة، أو حتى الانتهاء إلى قبول تقاسم ما للسلطة مع كوربن. لكن ماي قد تقرر في النهاية ألا تفعل شيئاً، وتبقى النخبة السياسيّة عالقة في انقساماتها، ليجد البريطانيون أنفسهم في أجواء ترشيد الاستهلاك التي عاشها أجدادهم خلال الحرب العالمية.
المعارضون لـ«بريكست» يقضون صيفهم أيضاً في تخيّل تمرّد مقبل في وستمنستر (مقر البرلمان) يطيح حكومة تيريزا ماي التي تحكم بأغلبية هشّة لا يسهل الحفاظ عليها بعد الآن، بعد تصاعد النزاعات داخل حزبها، وبالتالي الدعوة إلى انتخابات عامة جديدة قد تأتي بحكومة تتجرّأ على إجراء استفتاء شعبي جديد حول «بريكست» يمكن أن يلغي مفاعيل الاستفتاء الأخير، أو أقلّه إيصال رئيس وزراء لديه تفويض شعبي يمكّنه من إجراء مفاوضات مع الأوروبيين من مركز قوة نسبية.
«إنها أمة تنتحر». هكذا عنونت إحدى الصحف الفرنسية تقريرها عن الأوضاع في لندن. بالمقارنة، كم كان ترامب إذن لطيفاً مع مضيفته ماي عندما استخدم تعبير «أمة وكأنها في أزمة». إنها بالفعل أزمة معقدة تتجه إلى تصعيد محتّم سيدفع ثمنه البريطانيون العاديون، بينما نخبتهم السياسية عالقة في حروب القصر وصراعات الكراسي.