إسطنبول | مع استمرار التحولات الاستراتيجية في البنية السياسية والدستورية، بما يتيح منح الرئيس رجب طيب أردوغان مزيداً من الصلاحيات، فوجئ الجميع بمرسوم رئاسي جعل من بيرات البيرق، صهر الرئيس، عضواً رسمياً في مجلس الشورى العسكري، وهو أعلى هيئة عسكرية تبحث في ترقيات وتعيينات جنرالات الجيش التركي، ويترأسه أردوغان بطبيعة الحال. ويضم المجلس في عضويته قادة القوات البرية والبحرية والجوية والدرك ورئيس الأركان وجنرالات القوات المسلحة من رتبة فريق أول، ويجتمع مرة في السنة لبحث قضايا الجيش، بما فيها ترقية الضباط إلى رتب عليا وتعيينهم في المناصب العسكرية وإحالة البعض إلى التقاعد. واعتبرت أوساط المعارضة عضوية البيرق، الذي لم يخدم في الجيش لكونه دفع البدل النقدي، خطوة جديدة ومهمة من قبل الرئيس أردوغان، على طريق إحكام سيطرته على المؤسسة العسكرية، بعد الاقتصاد والمال، إذ قام بتعيين البيرق وزيراً للمالية والخزانة بصلاحيات مطلقة في مجمل شؤون المال، بما في ذلك البنك المركزي. وأتى ذلك وسط توقعات بأزمة اقتصادية ومالية خطيرة خلال الفترة المقبلة، بعد أن زادت ديون تركيا الخارجية على 450 مليار دولار، منها نحو 190 ملياراً مستحقة حتى نهاية العام الجاري.
تم إلغاء الفرقة الوطنية للباليه والمسارح والفنون الجميلة


وقرر المرسوم الرئاسي ربط رئاسة الأركان بوزارة الدفاع مباشرة بعد أن تم تعيين رئيس الأركان السابق خلوصي آكار وزيراً، مكافأة له لدوره في إحباط محاولة الانقلاب الفاشلة قبل عامين، التي اتُّهم اتباع الداعية فتح الله غولن بتنفيذها. الرئيس أردوغان اعترف أكثر من مرة بتلبية جميع مطالب غولن وجماعته، الذين سيطروا على قطاعات واسعة من مؤسسات الدولة. وتبين بعد محاولة الانقلاب أن نصف جنرالات الجيش برتبة عميد وأعلى، وعددهم حوالى 570، بالإضافة إلى 70% من ضباط القوات المسلحة برتبة عقيد وما دون، ومعهم عدد كبير من كوادر الأمن والمخابرات، محسوبون على جماعة غولن. وكان أردوغان قد استطاع خلال العامين الماضيين التخلص من الاغلبية الساحقة من أتباع غولن وأنصاره، بمن فيهم مستشاروه العسكريون الثلاثة. كذلك تم طرد أكثر من 30 ألف عسكري من مختلف الرتب من القوات المسلحة. وشهدت جميع المدن التركية طيلة أمس (الأحد) فعاليات شعبية ورسمية كبيرة شارك فيها أردوغان، حيث تلا آيات من القرآن الكريم تخليداً لذكرى ضحايا الانقلاب، وعددهم 260 بين عسكري ومدني. وقال إن «النضال ضد أتباع غولن سوف يستمر حتى يتم القضاء على آخر شخص فيهم، ولكن يبدو أنهم لن ينتهوا بسهولة».
وبينما تستمر الملاحقات الأمنية والقضائية لأتباع غولن، بعد أن زاد عدد الذين شملتهم مثل هذه التحقيقات على مليون شخص، تم وضع عدد كبير منهم في السجون وطرد آخرين من وظائفهم في مختلف أجهزة الدولة ومرافقها ومؤسساتها. كذلك صادرت الدولة مئات الشركات برساميل وصلت إلى عشرات المليارات من الدولارات، بحجة أن أصحابها من جماعة غولن. وكانت الحكومة، وبعد إعلان حالة الطوارئ في آب من عام 2016، قد ألغت جميع الكليات والمدارس العسكرية، وتم إنشاء «جامعة الدفاع الوطني» التي تم تكليفها بتخريج الكوادر العسكريين. وتم تعيين بروفسور مختص بالتاريخ العثماني رئيساً لهذه الجامعة التي يتم قبول الشباب والشابات فيها، بعد امتحانات شفوية تتضمن أسئلة دينية. وترى أوساط المعارضة في مثل هذا التصرف محاولة من الرئيس أردوغان لتسييس المؤسسة العسكرية وبناء جيش عقائدي «قومي إسلامي» تابع له مباشرة.
وفي السياق ذاته، نصّ مرسوم تشريعي آخر على ربط جميع القصور التاريخية العثمانية في إسطنبول بالرئيس مباشرة، كما تم إلغاء الفرقة الوطنية للباليه والمسارح والفنون الجميلة. وتتوقع أوساط سياسية للرئيس أردوغان أن يصدر مجموعة من المراسيم التشريعية التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، بحيث ستكون جميع مؤسسات ومرافق الدولة التركية تابعة مباشرة له.