يتفاقم النزاع التجاري بين القوى الاقتصادية العالمية الكبرى يوماً بعد يوم، وذلك منذ اتباع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سياسته الحمائية تجاه خصوم واشنطن وحلفائها. وفي آخر تهديد للأوروبيين، وهم أحد أكبر الشركاء التجاريين لواشنطن، قال ترامب، إنّه سيفرض رسوماً جمركية بنسبة 20 في المئة على السيارات المستوردة من الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي دفع المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، إلى الوقوف في طليعة الجهود الرامية لمكافحة سياسة ترامب، خصوصاً أنّ برلين هي الأولى أوروبياً في تصنيع السيارات. وعلى رغم إعلان ميركل أنّ «التعريفات الأميركية على السيارات الأوروبية ستكون أكثر جدية من الرسوم على الفولاذ والألمنيوم»، إلا أنها أبدت «استعدادها» للتفاوض بشأن خفض الرسوم على السيارات، ما قد يفسح المجال أمام سيناريو جديد للخروج من «النزاع التجاري».

وسط تتابع التطورات، اعتبر وزير المال الفرنسي، برونو لومير، أنّ الولايات المتحدة تريد «الفصل بين فرنسا وألمانيا» في مسألة التجارة الدولية. وأثناء لقاءات اقتصادية في مدينة إكس أون بروفانس في جنوب غربي فرنسا، أمس، قال لومير إنّ «المسألة ليست في معرفة ما إذا ستحصل حرب تجارية أو لا، فالحرب التجارية قد بدأت»، داعياً الأفرقاء الأوروبيين إلى التحلي بـ«الوعي». وأضاف الوزير الفرنسي أنّه «في ظلّ هذه العولمة، يجب أن تتكاتف الدول الأوروبية، لأن ما يريده شركاؤنا أو أخصامنا، هو الفصل بيننا، وما تريده الولايات المتحدة هو الفصل بين فرنسا وألمانيا في مسألة التجارة». وتابع: «في حال فرض رسوم على قطاعات اقتصادية أخرى، كقطاع السيارات، ردنا يجب أن يكون موحداً وقوياً لجعلهم يفهمون أن أوروبا أيضاً هي قوة اقتصادية سيادية»، محذراً من أن «إذا تعرضنا لهجوم، سنتصرف في شكل جماعي وبحزم، لا يمكننا فهم كيف يتم الإعلان عن حرب تجارية بين حلفاء، بين الشعبين الأميركي والأوروبي».

صندوق النقد: لدى أوروبا ورقة تلعبها شرط أن تكون موحدةً


على صعيد متصل، اعتبرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، أن لدى الاتحاد الأوروبي «ورقة يلعبها» في الحرب التجارية الدائرة حالياً، بشرط أن يكون «موحداً». وقالت لاغارد في المنتدى نفسه الذي حضره الوزير الفرنسي: «في ميزان القوى الذي نراه يتشكّل حالياً بين الولايات المتحدة والصين، اللتين تمثّلان شكلين مختلفين تماماً للزخم الرأسمالي نفسه، يمكن لأوروبا أن تلعب ورقة تتميّز بخصوصية بالغة»، موضحة أنّ «ميزان القوى يتشكّل وفي وسطه أحد ما، إنه أوروبا التي من دونها لا يمكن لهذا الطرف أو ذاك أن ينتصر على الآخر». اعتبرت لاغارد أن «لأوروبا (أهمية) استراتيجية لهذا الطرف كما لذاك»، ولا سيما في مجال التجارة.
على صعيد التصريحات الصينية، فقد برزت تصريحات رئيس الوزراء الصيني لي كيكيانغ، الموجود في العاصمة البلغارية صوفيا، حيث أشار إلى رغبة بلاده في فتح المزيد من قطاعات السوق الصينية كبادرة «حُسن نية»، مضيفاً في الوقت نفسه أنّ بلاده تنوي مواصلة سياسة الانفتاح التجاري التي تعتمدها وخفض الرسوم الجمركية.
ولفت المسؤول الصيني في خطاب ألقاه أثناء قمة بين بكين و16 دولة من وسط وشرق أوروبا، أول من أمس، إلى أن «الانفتاح كان محركاً رئيسياً لبرنامج الصين الإصلاحي، سنواصل انفتاحنا في شكل أوسع على العالم، بما في ذلك منح وصول أوسع إلى السوق للمستثمرين الأجانب والمنتجات الأجنبية التي تلبي حاجات المستهلكين الصينيين». وشدد أيضاً على أن بكين ستواصل «خفض الرسوم على الواردات إلى السوق الصينية». وأثناء هذه القمة الإقليمية السنوية التي تهدف إلى تطوير التنسيق الاقتصادي بين الصين ودول وسط وشرق أوروبا، أعلن لي كيكيانغ والقادة البلغاريون إنشاء «مركز لدرس تشريعات الاتحاد الأوروبي من جانب الشركات الصينية»، مشيراً إلى أن الأمر متعلق «بمساعدة المستثمرين الصينيين في فهم القوانين والقواعد التي يجب اتباعها والأخطار التي يجب تجنبها»، وذلك بهدف تعزيز التنسيق الاقتصادي بين الصين والاتحاد الأوروبي ودول البلقان.

ضحايا آخرون
ذكرت شبكة «سي أن بي سي» الأميركية، أمس، أنّ بعض الخبراء يتوقعون تأثر بعض الاقتصادات الآسيوية نتيجة الحرب التجارية التي أشعلها ترامب ضد الصين، نظراً إلى علاقات التوريد المتشابكة بينها وبين بكين. والضحايا المحتملون هم ماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان، وهي اقتصادات تعتمد بشدة على عوائد الصادرات، وتقوم هذه الدول بتصدير السلع الوسيطة إلى الصين (أي السلع التي لم يكتمل إنتاجها بالشكل النهائي).
ونقلت الشبكة عن الخبير الاقتصادي تيمور بيغ، قوله إن «0.8% قد تُخصم من النمو الاقتصادي لسنغافورة إذا اندلعت حرب تجارية شاملة بين الولايات المتحدة والصين، ويعني بها فرض رسوم جمركية بنسبة 15% إلى 25% على كل السلع التي يتبادلها الجانبان». ومن المتوقع أن تسجل سنغافورة نمواً اقتصادياً بنسبة 3% هذا العام. أما تايوان وماليزيا، فقد تخصم الحرب 0.6% من نموهما الاقتصادي، الذي يتوقع أن يبلغ هذا العام 2.8% و5% على الترتيب. ويرى بيغ أن الحرب ستكبد الصين والولايات المتحدة خصماً بنسبة 0.25% من النمو الاقتصادي المتوقع هذا العام.