لا يمثل احتلال العدو الاسرائيلي للجولان بعداً استراتيجياً جغرافياً فحسب، بإطلالته على أربع دول عربية، بل لأنه أيضاً واحدٌ من أهم مصادر الطاقة والمياه للعدو؛ إذ يحصل الاحتلال على ثلث حاجاته المائية من الجولان، الغني بالأنهار والينابيع والمياه الجوفية، وبتراكم الثلوج على جباله. وتجري منذ سنوات عمليات تنقيب عن النفط الذي تشير الدراسات إلى وجوده بكميات وفيرة وتجارية.


اليوم، زيادة على احتلال الأرض واستنزاف مواردها الجوفية، يخطط العدو لاستثمار الهواء، عبر إقامة توربينات هوائية عملاقة، لتوليد الكهرباء من طاقة الرياح. مشروع عنوانه الطاقة النظيفة، وحقيقته مصادرة ما تبقى من أراضي الجولانيين لحصارهم وتهجيرهم، إفساحاً في المجال أمام تطوير مشاريع الاستيطان والسيطرة الكاملة على الجولان.

رغم سنوات الاحتلال الطويلة، حافظ أهالي الجولان المحتل على هويتهم العربية وعلى جزء من استقلالهم. رفضوا الحصول على الجنسية الإسرائيلية، واعتمدوا سياسة اقتصادية تؤمنّ معيشتهم بالحد الأدنى من التخالط مع كيان الاحتلال. فكانت الزراعة عصب الحياة في هذه القرى، يزرع الناس أراضيهم خاصة بالكرز والعنب والتفاح، ويستعملون البرادات لحفظ المنتجات ويبيعونها في مواسم متعددة نحو دول عربية، ويحفظون بذلك دورة اقتصادية مقبولة تؤمن حياتهم ومعيشتهم.

في العقد الأخير، زادت شهية العدو على التوسع في الجولان وتثبيت احتلاله، فوُضعت خطةً لزيادة عدد المستوطنات والمستوطنين فيه (من 20 ألف إلى 250 ألف بحلول العام 2030)، كما زادت النقاط العسكرية، وأقيم شريط حدودي جديد على خط وقف إطلاق النار، وصدر قانون يهدف إلى إلزام أهالي الجولان بتسجيل أراضيهم لدى الكيان الإسرائيلي. ونظمت انتخابات لمجالس محلية للمرة الأولى عام 2018 (بلغت نسبة المشاركة فيها 1%).
كلها مشاريع واجهها الجولانيون على قدر استطاعتهم، بالحد الأدنى من الإمكانات، قاطعوها، عطّلوها وأفرغوها من مضامينها، وحافظوا على استقلال جزئي استمرّ منذ ٥ عقود، صيانةً للهوية العربية السورية، ودفعاً لمشاريع التهويد وسعي العدو الدائم لتهجيرهم أو لدمجهم في المجتمع الاسرائيلي بشكل كامل.

سقط المسار القانوني ضد المشروع بعدما صنّفته حكومة الاحتلال «مشروعاً قومياً»


لكن مشروع مراوح الجولان الجديد، هو واحد من أخطر المشاريع وأخبثها، فهو يُصوّر في ظاهره مشروعاً حيوياً إنتاجياً للطاقة النظيفة، ويخفي وراءه تسللاً لمشاريع الاستيطان عبر مصادرة الأراضي وإقامة منشآت حيوية إسرائيلية ومحاصرة السكان السوريين وتهجيرهم.
أقرت حكومة الاحتلال عام 2009 قانوناً يقضي بأن يحصل كيان العدو على 10 في المئة من طاقتها الكهربائية عن طريق الموارد النظيفة والطاقة البديلة. واحد من هذه الموارد هو المراوح الهوائية التي تعتمد على حركة الرياح لتوليد الكهرباء، وواحد من أنسب الأماكن لإقامة مشروع كهذا هو مرتفعات الجولان المحتل، حيث الرياح الغربية القوية التي تؤمّن قدراً وافراً من الطاقة لتشغيل المراوح، وحيث طمع العدو الدائم بموارد هذه الأرض.

بدأ مشروع مراوح الجولان العملاقة عام 2013 عبر شركة «انرجكس» التي سعت إلى استئجار الأراضي من الناس لبناء المشروع، وتمكنت من الحصول على تواقيع عدد من السكان على عقود الإيجار. لم يلتفت السكان في البداية إلى خطورة المشروع، واعتبروه ذا فائدة اقتصادية وبيئية للمنطقة، لكن هذا الموقف تبدّل لاحقاً عند الغالبية.
ليس هذا المشروع هو الأول من نوعه في أراضي الجولان، ففي عام 1992 أقام كيان العدو عشر مراوح على تل الغسانية الذي يقع شرقي بحيرة طبرية وجنوبي القنيطرة بمسافة تقارب ٥ كيلومترات؛ يبلغ ارتفاع الواحدة منها 28 متراً وطول شفرة المروحة 18 متر.
مشروع اليوم أضخم وأكبر، وهو يقع بين ثلاث قرى في الجولان، مجدل شمس بقعاثا ومسعدة، على مسافة 1 الى 1.5 كلم من هذه القرى؛ حيث يسعى العدو لإنشاء 32 مروحة يتراوح طول الواحدة منها بين 100 و200 متر، مع شفرات للمراوح بطول 80 متراً تزداد تدريجياً بتناسب مع ارتفاع العمود. تحتاج هذه المراوح إلى قواعد إسمنتية ضخمة تمتد على مساحة 600 متر مربع مع ألف طن من الإسمنت للواحدة منها. تبلغ المساحة الاجمالية للمشروع المقترح 3674 دونماً يذهب أغلبها لإقامة المراوح وتثبيتها، ومساحة قليلة للطرقات ومحطة كهربائية ومنشآت للصيانة والتخزين ونقطة للجيش الاسرائيلي.

يعتبر المشروع خطراً حقيقياً على صمود الجولانيين في قراهم، فهو بشكل أساسي يعبّر عن تمدد لمرافق الحياة الإسرائيلية التي تمهد لتمدد استيطاني نحو مصادر الطاقة الجديدة. إضافة إلى ذلك، فإن المشروع يضرب عصب الصمود عند الأهالي، الزراعة. يقضي المشروع على عدد كبير من الأراضي الزراعية التي سيتحول استثمارها لبناء المراوح، إضافة إلى حاجة المشروع إلى الطرقات الواسعة، ما يفرض شق طرقات جديدة أو توسيع طرقات قديمة.
كما أن فترة العمل في بناء هذه التوربينات التي ستمتد لسنوات، ستفرض تنقل آليات ضخمة من الأراضي المزمع استعمالها وإليها، وستسبب حركة هذه الآليات ضرراً كبيراً للحقول الزراعية المجاورة، نظراً إلى ضخامتها وضخامة المعدات التي سيتم نقلها واستعمالها في البناء. زيادة على ذلك، فإن لعمل المراوح أضراراً بيئية تتعلق بقتل الطيور (خاصة الطيور المهاجرة) والخفافيش التي تسهم في تلقيح الأشجار المثمرة وتنظيف الأراضي الزراعية من الحشرات الضارة؛ فمثلاً، في الولايات المتحدة يموت سنوياً ما بين 10 آلاف إلى 400 ألف طير نتيجة اصطدامهم بالتوربينات الهوائية. أما على المستوى العمراني، فإن المشروع يحاصر القرى المحيطة به ويمنعها من التمدد السكاني. فقرية مجدل شمس مثلاً محاصرة من الشمال والشرق والغرب بحقول الألغام وخط وقف إطلاق النار ومراكز للجيش الإسرائيلي، ويأتي هذا المشروع ليحاصرها من جهة الجنوب أيضاً.

فترة العمل في بناء هذه التوربينات ستمتد لسنوات


تنبّه الجولانيون متأخرين لخبث المشروع، فوضعوا خطة من مسارين لمواجهته: مسار قضائي يرفعون من خلاله دعاوى في المحاكم الإسرائيلية لإلغاء عقود الإيجار بعد أن تراجع أغلب المزارعين عن تأجير أراضيهم، ومسار شعبي يقضي بإقامة الندوات والحملات الإعلامية لشرح حجم الضرر المترتب على المشروع، والذهاب نحو مواجهة شعبية عبر التظاهرات لحماية الأراضي وإيقاف العمل بالقوة.
سقط المسار القانوني بعد أن أقرّت حكومة الاحتلال قانوناً يقضي باعتبار المشروع «مشروعاً قومياً»، ما يسمح لوزير المالية بمصادرة الأراضي لإقامته. بقي المسار الثاني الشعبي، الذي يسعى إلى تعريف أهالي الجولان بخطورة المشروع مع ما سيتبعه لاحقاً، وبإعداد الناس للمواجهة في حال استمرار العمل لإقامة المراوح. نقطة القوة هنا اقتناع الجولانيين بخطورة المشروع على وجودهم وثباتهم في أرضهم، وخوضهم للمواجهة الكاملة.

منذ نحو شهرين، بدأت الخطوات العملية للمشروع؛ فالشركة استغلت وباء كورونا الذي يمنع التجمعات وتسللت بآلياتها إلى الأراضي المراد استعمالها، معززة بأعداد من رجال الشرطة الاسرائيلية، للبدء بعمليات فحص التربة وتحديد الأماكن المناسبة للحفر. تمكن بعض الجولانيين من الوصول إلى أراضيهم عبر طرقات زراعية فرعية، وحصلت مواجهات أدت الى سقوط العديد من الجرحى وتوقيف 8 أشخاص أُطلق سراحهم لاحقاً.
المعركة اليوم ما زالت مستمرة، والأمر ما زال في متناول أيدي الجولانيين، والمعركة رصيدها الوعي والثبات، والأرض ستبقى لأصحابها الأصليين وللأجيال القادمة. مطامع العدو لا تنتهي، وأساليبه في الاحتلال تتطور. أما العرب، فكما غابوا عن فلسطين، يغيبون أيضاً اليوم عن الجولان ـــ الجولان الأرض والماء والهواء والبشر والحجر ـــ ويغيبون أيضاً عن الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة. «سكرة» النفط ستذهب عندما ينضب، في زمانٍ ليس ببعيد في عمر الأمم، وستأتي «الفكرة»، حيث لا أرض ولا موارد. وليست الأرض رخيصة إلا لشعبٍ لا يستحق الحياة.