«لم يبق لي من ورشتي الصغيرة سوى دماغي الذي يعمل». هذه الكلمات للمخترع المهندس معن كعدان قالها في حوار معه عام 2002، وألحقها بعبارة: «سأظل أعمل ولو في زقاق الجن». بعد ذلك، تحوّل الوطن فعلاً إلى «زقاق الجن» بالنسبة إلى كعدان مخترع «فلسفة الطاقة» كما لغيره من بقية علماء البلد. فلسفة الطاقة، كما شرحها كعدان، قامت على مبدأ بسيط: «كل شيء يتحرك يولّد طاقة». إلى هنا تبدو الأمور بخير، لكن المشكلة كانت في الجزء الآخر من المعادلة والذي يقول: «الذي لا يتحرك يمتصّ الطاقة». هنا بالضبط كانت حرب كعدان مع عديمي الحركة في البلد والذين كانوا يساوون بين اختراع التوربينات المولدة للكهرباء واختراع «التواليت الافرنجي» دافعين به إلى إطلاق الكثير من الشتائم، وفي مرحلة متقدمة أرادوا أن يجعلوا منه مجنوناً يحارب توربينات الرياح التي اخترعها بنفسه.

قصة معن كعدان هي أنه أراد ترويض الرياح وتحويلها إلى نقود تضاف إلى خزينة الدولة، ففكر باختراع آلة التوربين الهوائي التي كانت تمثل في ذلك الوقت تكنولوجيا جديدة لا تدَرَّس في الجامعات، وقوانينها غير متوفرة في البلد، تعلّم اللغة الفرنسية وأتقنها كي يترجم كتاباً يتعلق بهذا الموضوع (امتد ذلك من 1989 حتى عام 1992).
لم تتح لكعدان نقل تجربة تقنية التوربينات أو حتى تقليدها، فحاول إعادة إنتاجها وتوصل إلى تقنيات جديدة خلال اثني عشر عاماً، فالعنفة الريحية كما قال هي «فلسفة بحد ذاتها، لها زمنها المناسب والموقع المناسب والشعب المناسب». استطاع كعدان أن يجد العنفة الفعالة والبسيطة والرخيصة التي تناسب سوريا، والتي يمكن تصنيعها بخبرات ومواد محلية.
وجد أن كميات الرياح المناسبة للاستثمار في توليد الطاقة، والتي تعبر سماء ألمانيا أقل من الرياح التي تعبر سماء سوريا، وكان سؤاله في ذلك الوقت: لماذا تملك ألمانيا ثمانية آلاف ميغا واط من هذه المحطات الريحية ولا تملك سوريا سوى 150 كيلو واط من إنتاج مروحة واحدة مشتراة من الدنمارك؟ ولاحقاً كان يسأل: هل لسوريا من النفط ما يكفيها إلى الأبد؟ هل سعر الكيلو واط الساعي الذي تبيعه الدولة للمستثمر يدرّ الربح على الدولة، أم أنها تخسر في كل كيلو واط 2.5 ليرة؟ فلو تم استثمار هذه الطاقة الكبيرة، وتم توفير الوقود الأحفوري كمخزون استراتيجي، أو تم بيعه في الأسواق العالمية، لزاد الدخل القومي مليارات الليرات، فسوريا التي يمر فوقها في كل ثانية كمية من الاستطاعة الكهربائية تعادل 40000 ميغا واط، في المناطق ذات الدرجة الأولى تستطيع أن تنتج من الكهرباء أكثر مما تنتجه جميع محطات الكهرباء السورية، وذلك باستخدام تلك التقنية.
امتلاك عنفة (10 كيلو واط) كانت تكلف في ذلك الوقت ما يقارب 40000 دولار. الذي حاول كعدان فعله هو صناعة نظام مطور عن تلك العنفات بسعر سبعة آلاف دولار. مع العلم، والكلام لكعدان، بأن سوريا تملك ما لا يقل عن 20 ألف بئر في مواقع مناسبة جداً لطاقة الرياح، وكل بئر تستهلك سنوياً بالحد الوسطي 200 برميل من المازوت، أي أن جميع الآبار تستهلك سنوياً أربعة ملايين برميل مازوت يمكن توفيرها وبيعها في السوق العالمية، وبافتراض بيع ليتر المازوت بعشر ليرات سورية، فإن حصيلة ذلك هو حصول سوريا على 880 مليون ليتر من المازوت، أي ما يعادل قيمته في السوق الخارجية 8 مليارات و800 مليون ليرة سورية.
عمد كعدان الى تصميم نماذج متعددة من أنظمة التحكم، «أنظمة سورية» تستطيع أن تولد الطاقة الكهربائية في جميع ظروف الطقس». أما النتيجة: فكانت أن كعدان بدأ بعدها بالبحث عن «كابل» كهرباء ليشنق به نفسه. لم يجد دعماً كافياً من أي جهة رسمية إلا باستثناءات قليلة وبجهود شخصية من بعض الأشخاص، جاء من حصد ثمرة جهوده ببساطة.
كان يرى أن تكنولوجيا الطاقات البديلة مسألة تتعلق بالبعد الوطني أكثر من أي شيء آخر، قالها كعدان: «نحن لسنا دولة فقيرة، لكننا مع الأسف شعب فقير، وهذه التكنولوجيا تخص الناس أكثر مما تخص أصحاب القصور الملكية». أتبعها بعبارة: «إذا لم تلق تلك الصناعة دعماً حقيقياً من الجهات الرسمية والقطاع العام، فلا بد أن تنتهي إلى الانتحار قبل أن أنتهي أنا له».
الذي حدث في نهاية القصة أن مصير تلك الصناعة لم يكن أحسن حالاً من مصير كعدان الذي تم الحجز على بيته وسيارته، نزعوا كل أدوات الإنتاج من يديه وجلس ينتظر أن يقطعوا عن منزله الكهرباء إذا لم يدفع «الفاتورة». اليوم هو في سويسرا منذ سنوات برفقة «توتي». كلبته الودودة. اليوم في عام 2018، وبعد سنوات سوريا العجاف، بدأت عنفات الثقة بالبحث العلمي بالدوران، الحديث اليوم هو عن الثقة بالبحث العلمي، والمطلوب هو الإيمان بمن يقوم بالبحث، والدعم مفتوح من السلطة التنفيذية، والدعوة للجميع بأن يدلو كل بدلوه لتقديم مشروع بحثه.
طالب رؤساء جلسة مجموعات العمل التي عقدت في غرفة تجارة دمشق بمشاركة وزارة الصناعة والهيئة العليا للبحث العلمي (أنشئت بموجب المرسوم التشريعي الرقم 68 لعام 2005)، بأن ننسى الماضي ونقاطعه، فقاطعوا أكثر من مرة عدداً من المتحدثين الذين أرادوا أن يضربوا أمثلة عن عراقيل الأبحاث وعرقلة الباحثين في ما مضى، داعين إلى فتح صفحة جديدة تعيد إلى أذهان السوريين صورة سوريا التي تعتلي منتجاتها المحلية رفوف المحال في كل دول العالم بشهادة من سافر واغترب.
لأول مرة في تاريخ سوريا، يتم وضع منصة اجتماع عملي لمجموعات عمل، ولأول مرة يصبح في سوريا سياسة وطنية للبحث العلمي شارك في وضعها أكثر من 500 شخص بشكل مباشر وأكثر من 2500 شخص بشكل غير مباشر شاركوا في صياغة هذه الوثيقة التي وصفت «بالوطنية». كما تم لأول مرة إنشاء تقرير سنوي عن البحث العلمي، وهو أول تقرير إحصائي منذ اندلاع الحرب تم إصداره عن عام 2014 ــــ 2015 ، فيما يتم العمل الآن على تقرير عن عام 2016 ــــ 2017، وأيضاً على بناء بنك المعلومات في سوريا وتحديثه، على أن ينتهي العمل منه في شهر أيلول المقبل، حيث أنجز منه إلى الآن 90% في كل القطاعات.
الدعوة إلى العمل والبحث مفتوحة للجميع، بمن فيهم المخترعون والباحثون المغتربون، وفقاً لهذه الدعوة، فإن مروّض الرياح المخترع معن كعدان هو أحد المدعوين إلى العودة.
السؤال، هل سيعود؟ ربما. لكن السؤال الأصح هو: هل سينسى؟ حتماً لا.