سوهاج | قبل أشهر خرج الآلاف من مسلمي ومسيحيي مركز طما بمحافظة سوهاج (495 كم جنوب القاهرة) في جنازة «الست هيلين»، الخادمة الإرسالية التي خدمت فقراء الصعيد لمدة ناهزت السبعين سنة.

والست هيلين، فتاة هولندية، سمعت إبان خدمتها في كنيسة بريف هولندا، عن حاجة مصر لأخوات يخدمن في بقاعها ومساعدة الفقراء والأيتام، فشعرت هيلين أن هذه «دعوة من الرب لتسافر إلى مصر وتخدم هناك». في البداية عرضت هيلين رغبتها في السفر إلى مصر على والديها، مؤكدة لهم «أن الرب بعث لها».

كان الأمر «لاهوتياً» إلى هذه الدرجة، الأب يوهانز فورهوفه والأم إليزابيث، وهما والداها، قبلا، مشترطين أن تكمل دراستها وأن تنتظر حتى تكمل عامها الخامس والعشرين. رضخت هيلين لرغبة والديها، وأدت واجباتها الدينيّة في مدينة لاهاي لثمان سنوات، وهي المدينة التي ولدت بها في 11 نيسان 1912 بين ثمانية من الأبناء خمس فتيات وفتى وكان ترتيبها السادس.
في 22 إيلول 1937 وصلت هيلين إلى الإسكندرية، ومنها إلى القاهرة لتعلم اللغة العربية في الجامعة الأمريكية، بصحبة «رفيقة» هولندية. هناك، تعلمت الخط العربي ومخارج الحروف العربي، لكنها لم تستطع أن تستمر في دراستها بالجامعة لأسباب ماديّة. هكذا، اتجهت إلى الصعيد، تحديداً، إلى مدينة طما شمال محافظة سوهاج في 1939. وهناك بدأت هيلين خدمتها الحقيقيّة. تعلمت اللغة العربية بلهجة صعيدية بل أتقنتها بشهادة كل من عاصروها. كانت هيلين تذهب للبيوت للدعوة، في وقت كانت فيه الفتيات غير مسموح لهن الخروج للاجتماعات بالكنيسة، وكن يتزوجن في سن صغيرة. عادت هيلين إلى القاهرة لمدة عام واحد، ثم عادت لتستقر في طما منذ عام 1941 وحتى وفاتها. يعرفها الجميع هنا، أبواب الفقراء المسيحيين والمسلمين تعرفها.

كانت هيلين تذهب للبيوت للدعوة في وقت كانت فيه الفتيات غير مسموح لهن الخروج للاجتماعات بالكنيسة وكن يتزوجن في سن صغيرة


يرون عنها القصص. في 1946 اشترت قطعة أرض لبناء مدرسة، وقد أرست والدتها حجر الأساس عام 1951، وافتتحت المدرسة في شباط 1954، وسميت مدرسة «بيت إيل»، أي «بيت الرب». وعام 1958 أنشأت «دار النور» الذي أصبحت تُعقد فيه الاجتماعات الروحيّة لطلبة المدرسة والمدارس الأخرى بالمدينة. وفي 1959 تغير اسم المدرسة إلى مدرسة النور، وعُين مدير مصري وناظرة مصرية لها. تخرج من مدرسة النور أجيال من أبناء مركز طما، مسلمين وأقباط، تعلموا في تلك المدرسة المعنى الحقيقي للأخلاق. كانت «مس هيلين» من دعاة الأخلاق، هكذا يعرفونها في طما. قضت عشرات الأعوام في المدرسة، بين العمل والصلاة، تمر بين طرقات الصعيد، تتابع العمل بلا كلل. تحث المعلمين والمعلمات على العمل بهمة ونشاط ترعى كل ركن من أركان المدرسة بنفسها تؤدي رسالتها على أكمل وجه من دون كلل أو ملل. وفي أواخر 2008، تعرضت لكسر في عظمة الفخذ، فأجريت عملية جراحية ولازمت الفراش.
كانت آخر رحلات هيلين إلى هولندا في 1997، وقررت بعدها ألا تغادر مصر مرة أخرى. وكانت قد اشترت مدفناً في كنيسة الشهيد أبو فام وأوصت أن تدفن به. بعدما هربت من الحرب العالميّة الثانية، وعايشت حروب العرب وإسرائيل، وعاشت هنا واحدةً من أهل الصعيد، توفيت عن 102 عاماً، وشيّعت بحضور الآلاف من المسيحيين والمسلمين بمدينة طما، بمحافظة سوهاج. شارك في مراسم الجنازة، والتي استمرت نحو ثلاث ساعات، مندوب من السفارة الهولندية بمصر وشخصيات كبيرة، غير أن الذين يفتقدونها فعلاً، هم أبنا طما، فقراء طما.