«لا أطيقها. كتير مجلوقة. كلّ همّها نشر صورها وكأنها عارضة، وتعليقاتها مع الشبّان غير محترمة». هكذا تصف مرام بانفعال شديد مُعلّمتها الناشطة على موقع «فايسبوك». أما أحلام فتدافع عن حرية الأساتذة في نشر أي محتوى بالقياس نفسه مع حريّتها الشخصية فـي التعبير. ربما لأنها رأت فائدة ذلك.


تُحدّثنا وهـي تبتسم «مرة شعرت بالاكتئاب وكتبت شيئاً عن الانتحار على صفحتي، لأفاجأ بمعلّمة في المدرسة تنصحني وتطلب مني ألا أفكر بهذه الطريقة». ما بين هاتين الحالتين، تجربة مختلفة وأكثر حساسية تعرّض لها حسن، الذي لم يكن يعرف أن الأساتذة يتابعون ما ينشره مع زملائه في مجموعتهم علـى «فايسبوك»، إلا حينما استدعاه الناظر بحجة الحرص على «سمعة» المدرسة التي «مسّها» حسن عندما عبّر عن امتعاضه ونقده لتصرفّات بعض معلّميه علناً.
تلعب إذاً هذه المساحة الالكترونية دوراً كبيراً في بلورة صورة مختلفة للأستاذ، الذي يفترض أنه «نموذج». كما تتيح للتلميذ بناء علاقة «لا صفية»، تختلف طبيعتها باختلاف تطلعات التلاميذ. ما يطرحه الأستاذ على صفحته قد يمنح التلميذ ثقة إضافية بأستاذه، أو يفقده الثقة التي حصّلها في الصف. وما يدوّنه التلاميذ على صفحاتهم يمنح الأستاذ فرصة التعرّف إلى خلفياتهم الثقافية والنفسية، التي قد تُستثمر في التوجيه التربوي. لكن هذا التدخل قلّما يحصل عملياً.
مدير مدرسة «ليسيه سوسيال» فيصل صفير يعتبر هذا الموضوع في غاية الأهمية للبحث فيه. «هناك الكثير من وجهات النظر في الحياة، لكن هناك أمور ليست خاضعة لوجهة نظر. المربّي هو شخص يحمل رسالة ويفترض أن يفعل ذلك 24/24 ساعة».


ما يدوّنه الأستاذ قد يمنح التلميذ ثقة إضافية به أو يفقده إياها
أما عن المسؤولية الإدارية إزاء ما يعبّرون عنه عبر تلك الصفحات فيؤكّد دوره «أترك مجالاً عادة بإدارتي للأمور، لكن إذا تطلّب الأمر تدخلاً مني فأنا أفعل». صفير ذكر لنا تجربة ناجحة حينما لاحظ الاتهامات الطائفية المتبادلة بين تلاميذه على «الفايسبوك»، فقام بدعوة الطلاب إلى مناقشة مفتوحة أثّرت في تقبلّ كل منهم للآخر، النتيجة التي لمسها فـي اختلاف وتيرة مناقشاتهم الالكترونية اللاحقة.
في السياق نفسه، يعبّر أستاذ مادة الفيزياء ياسين عبود، المحبوب من طلابه، عن سعادته بإغناء التلميذ على مستوى التحصيل المدرسي أو الشخصي لذلك يمنح معلومات التواصل الخاصة به، والتي يُعلمهم بها قبل أول موعد من الامتحانات حتى يتسنّى لهم سؤاله عن أي مسألة يواجهونها في الدراسة. «الطلاب يرتاحون لي كثيراً، يحكون لي الكثير عن أمورهم الخاصة وهذا يسرّني لأن الطلاب لا يقولون كلّ شيء لأهلهم. هناك أمور تحتاج إلى صديق، ومن هم في عمرهم ليسوا قادرين على تقديم فكرة ناضجة». رغم ذلك، يحرص عبّود على بعض الحزم الذي يكفل احترام موقع طلابه له «لا أوافق سريعاً على صداقة الطلاب عبر فايسبوك، يجب أن يشعر الطالب بأنه لا يستطيع أن يكسر الحاجز معي بسهولة».
هذه الصداقة الافتراضية، تتيح للتلاميذ فسحة لدردشة خاصة. تُخبرنا لمى عن تجربة محادثتها عبر «واتسآب» كما «فايسبوك» مع معلّمتها، وبوحها لها بمشاكل عائلية احتاجت فيها للمساعدة والدعم، مؤكّدة أن المعلّمة أحدثت الفرق الكبير في النصائح التي ساعدتها في تخطي الضغط النفسي.
لكن هذا البُعد الإيجابي في العلاقة ليس وحيداً لأساليب استخدام البرامج والشبكات. ففي الـمُقابل، تقود سهولة التواصل إلى سلوكيات تدعو للمعالجة كحالة تلميذة في المرحلة الثانوية. الأخيرة بادرت عبر «فايسبوك» و«واتسآب» إلى محادثة أستاذها الشابّ والتصريح له بمشاعر حبّها له. إذ أتاحت لها المراسلة عن بُعد شجاعة أكبر فـي الإفصاح. يُرينا أستاذها رسائلها المتتابعة، والتعبيـر المُبالغ فيه عن المشاعر عبر الأيقونات، كالقلوب الحمراء، وصولاً إلى إحدى صورها الشخصية التي تطلب فيها رأي الأستاذ بملابسها الجديدة. الأخير كان يجيب على أسئلتها باختصار تامّ، من دون أن يظهر لمشاعرها أية ردّة فعل وكذلك لم يتفاعل مع محتوى الرسائل.
دكتورة علم النفس العيادي صونيا شمعون تُوضّح أن الفتاة نَقلت مشاعرها الغراميّة إلى أستاذها وما يمثّله من شخصية مثاليّة تتوق إليها بعض الفتيات في هذه المرحلة العمرية. «الصورة الأبوية هي في الحقيقة وراء هذا الشكل الغرامي». لذا تؤكّد ضرورة الوعي والشفافية أمام حالة مشابهة، إذ «يعدّ التجاهل والتردّد في كيفية التعاطي مع تلك الرسائل من قبل الأستاذ نمطاً من الرضوخ للعبة التلميذة». وتدعوه إلى القيام بدوره في رسم حدود العلاقة كلّ حسب موقعه. «يبدو أنه لا يزال خائفاً، لكنه سيصل إلى المواجهة وعليه أن يحسن التصرّف بحيث تجري المواجهة بشكل غير عدواني، وإنما توضيح المسؤولية بين الطرفين».
تضجّ أروقة البحث الأكاديمي اليوم في مناقشة الوسائل التعليمية والتربوية التي لا تحدّ بين جدران المدرسة. فالأخيرة لم تعد مجرد مكان جغرافي، بل هـي عملية متكاملة يقوم جميع الأطراف بعملية بنائها. وعندما تبدو شبكات التواصل مصادر بالغة التأثيـدر، لا يمكن غضّ الطرف عن دراسة أبعادها أو مناقشة الأسس العملية. فكيف إذا كان المحور هو التلميذ الذي يتقلّب في مراحل فاصلة لبناء معرفته وأفكاره وتكوين شخصيته، والذي يواجه تلك الوسائل يومياً أكثر مما يرى أستاذه.