«إنها الحرب قد تثقلُ القلب»

(أمل دنقل)

دارت القهوة في المصطبة المسقوفة بالقرميد الأحمر. كُنَّ خمس نسوة، أهلٌ وجيران، من سُكَّان الحيِّ الريفيِّ الجنوبي. وكان الوقت صباحاً، عشية عيدَيْ الأُم و«النيروز» ولحظة دخول مأساة «بلاد الشام» عامها الخامس.
تقرأ إحداهنّ في الفنجان، وتلمِّح إلى «رزقة» من دون أن تتمكّن من تحديد معالمها تماماً. يتسّع المكان لأحاديث مؤجَّلة ويضيق الوقت سريعاً. بعد قليل ستأتي «جماعة الأُمم» للكشف على المسكن شبه المجَّاني الذي انتقلت إليه «إم عبدو» مؤخَّراً في الحيّ نفسه.

كان زمان يوم هتفَ قلب «إم عبدو» مع سماعها أغنية «غابت شمس الحق»، حين كان الجنوب اللبناني يحترق بالنار الإسرائيليّة وسط صمت العالم. «منذ ذلك الحين ثمّة شيء جميل يشدّني إلى هذا المكان بالذات». إم عبدو، النازحة الآن من سوريا إلى «بلاد عامل»، لم تتخيّل مرَّة، كغيرها من السُوريين، أن النار ستلتهم بلادها وتُحوِّل نصف سكّانها إلى لاجئين داخل وخارج الجغرافيا السورية. «طار» الأمان من تلك البلاد الجميلة «إلى غير رجعة»، ومن حينها طار النّوم من عينَيّ الأم التي تفرّق أفراد أسرتها بين لبنان وسوريا وتركيا وألمانيا.
«هي لعنة الحرب التي تلاحق شعوب المنطقة من بلد إلى آخر. كلّنا ضحايا». هكذا ترى أم عبدو الصورة الآن. والجنوب الذي كان سابقاً بقعة مضطرِبة أمنياً، صار برأي أم عبدو «المكان الأكثر أماناً في كامل المنطقة». هل في الأمر مفارقة؟ «طبعاً» تقول المرأة من دون تردّد. كان الجنوب، أو تلك المساحة الجغرافية الواقعة عند خاصرة جبل الشيخ الغربية، مبعثاً للفخر لديها وغالبية السوريين، ولكنه كان مجهولاً بالنسبة لابنة «عفرين» الكردية التي عاشت معظم حياتها في «الشيخ مقصود» في حلب.
لا تعيش المرأة غربةً بين أهلها الجدُد. صارت، منذ أن حلّت هنا قبل سنتين، واحدة من أبناء الحي. شاركت قبل أسابيع في رقصة الدبكة في عرس محمد ابن الجيران، وقبل ذلك حضرت مجالس عاشوراء أيضاً. «عرِفتُ عن قرب كيف ولماذا يمارس أهل المنطقة هذا النوع من طقوس الحزن». في المتجر الصغير، حيث بدأت العمل مؤخّراً، تجلس أم عبدو خلْفَ مكتب مُحاط بالهدايا والألعاب. تحترف المرأة التعامل مع الوقت، وتحيك بصنّارتها الصغيرة شالاً صوفيّاً ستهديه إلى جارتها أم محمد في عيد الأم.


هل حدّثك الأولاد
عن هدية عيد الأم؟
تقول: تركوها مفاجأة
يرقص قلبها فرَحاً حين يفاجئها اتصال هاتفي من «حبيب القلب» عبدو الذي لا يزال مقيماً في الضيعة قرب عفرين. تُتابع كلَّ تفصيل في المتجر وتجيد لغة البيع والشراء. تسأل المرأة عن التيار الكهربائي الذي قُطِع قبل لحظات ما إذا كان «دولة أو اشتراك»، مُستخدِمةً عبارات لا يتداولها إلا اللبنانيون. يسأل زبون عن «غرَض» ما لا يجده، فتطلب أم عبدو منه أن يعود بعد يومين. يدخل ابنها أمجد، ذو الأعوام العشرة (شقيق مجد التوأم) الذي يعمل أيضاً في «سوبرماركت». يبتاع الطفل قجّة ويضع بداخلها قطعة نقدية من فئة الـ250 ليرة. مجد وأمجد تركا المدرسة العام الماضي، وقرّرا أن يساعدا الوالدة للتخفيف من نفقات الحياة اليومية. رولا ابنة التسعة عشر ربيعاً تعمل هي الأخرى في صالون تجميل ملاصق للمتجر الذي تعمل به أمّها. تقول أم عبدو إنها كانت تملك، إضافة إلى البيت في الشيخ مقصود، عدداً من المحال التجارية. «بعتها كلها». ولكن ألم يكن بالإمكان أن....؟ «لا. الحرب مجنونة. بعتُن واشتريت فيهن حياة ولادي!». تستعيد أم عبدو، المولودة عام 1973، شريط الأحداث بين حلب وجنديرس (قرب عفرين) وتركيا ولبنان. في حديثها عن أهوال الحرب التي عاشتها تقول إنها عندما دخلت إلى سوريا لحضور حفل زفاف إحدى بناتها «علقنا عالحدود التركية بالرجعة وبقيت ساعات طويلة تحت القصف». تضيف: «هناك مزّق العسكر التركي كل ما كنت أملكه من أموال». تلفت إم عبدو في المقابل إلى وجود تناقضات داخل المجتمع الكردي نفسه (والسوري عموماً) ظهرت بوضوح أثناء الحرب. مثلاً؟ تقول: «هل تصدّق أنه حين نزحنا بدايةً من المدينة الى الضيعة قالوا لنا ماذا جئتم تفعلون هنا يا أهل المدينة؟!» تدمع عيناها حين تستمع إلى أغنية كردية تحاكي الواقع ويقول مطلعها، كما ترجمتها للعربية المحكيّة «ياحلب كنتي ببال مين إنك تخربي. انتي كنتي عروسة الدنيا، آه يا حلب آه...». تُخرِج المرأة العفرينيّة من حقيبتها جواز السّفر للتأكّد من صلاحيته. لا يستفزّها اسم الجمهورية العربية السورية المكتوب على غلافه الخارجي. «أنا سوريّة كردية، نعيش في مجتمع واحد متنوّع... لدينا مطالب تاريخية معروفة ولكننا نتحدث جميعاً اللغة العربية». بدت المرأة كمن تحاول أن توفّق بصعوبة بين هويتين فيما تشيرُ الوقائع على الأرض إلى افتراقهما يوماً بعد آخر!
قبل أيام تلقّت أم عبدو هدية عزيزة على قلبها، هي عبارة عن صورة تجمعها وزوجها المتوفّى في مطلع الحرب السورية بعد معاناة مع المرض. تجمع «الأم» في ملامحها بين الرقّة والصلابة كمعظم النساء الكرديّات. تحفظ في عقلها صوراً جميلة عن بطولات المرأة الكرديّة على جبهات القتال جنباً إلى جنب مع الرجُل الأمر الذي «أكسبها احترام العالم». وتحاول جاهدةً أن تحافظ على صورة الأم التي تفعل كلّ شيء لأجل أولادها. بعين دامعة تأتي كثيراً على ذِكْر عبدو «نقطة ضعفي»، وابنتيها هبة وآلاء المتزوجتين في ألمانيا وسوريا. هل حدّثك الأولاد عن هدية عيد الأم؟ تقول: «تركوها مفاجأة». لا هدية لأم عبدو أفضل من اجتماع شمل العائلة. «أشعر بحصول ذلك قريباً». غداً ستشعل أم عبدو الشموع مجدداً على شرفة المنزل الجديد في مناسبة «النيروز». في العام الماضي سأل الجيران عن السّبب، وعرفوا القصَّة المرتبطة بالتحرّر من الظلم.
«نيروز» في جنوب لبنان؟ لِمَ لا؟!