ماوريسيو ساري لم يأخذ ألقاباً معه إلى نادي تشيلسي الإنكليزي، بل أخذ طريقة اللعب وأفكاره بدلاً منها. الأمر أصبح مختلفاً، فطريقة لعب نابولي في السنوات الثلاث الماضية وتحت إشراف المدرب ساري، كانت من بين أفضل وأجمل طرق اللعب التي من الممكن أن يستمتع أحد بمشاهدتها. كرة القدم السّهلة، التمريرات القصيرة و«التيكي تاكا» الإيطاليّة. حتى أنه بدأت بعض الصحف والنقّاد يقارنون «نابولي ساري» بـ«مانشستر سيتي بيب غوارديولا»، وبـ «برشلونة ميسي». نعم هكذا كان الحال مع ساري، فقد قدّم نابولي أجمل كرة قدم في أوروبا في المواسم الماضية، لكن «العقبة» الوحيدة والأهم ربّما التي واجهها «المدرّب المدخّن» هي الألقاب!

لم يستطع ساري أن يحقق لقباً واحداً مع فريق الجنوب الإيطالي خلال ثلاث سنوات قضاها على رأس الجهاز الفني لنادي الجنوب الإيطالي في ملعب السان باولو. وهنا أصل الحكاية: أقيل ساري، وعيّن مكانه مدرّب، من بين كبار المدربين «الطليان». عُيّن كارلو أنشيلوتي مدرب ميلان ويوفنتوس وريال مدريد السابق كمدرب جديد للـ«بارتينوبي». سنكون أمام نهاية حقبة وبداية أخرى، وسيبدأ مسلسل جديد عنوانه، هل سيوقف أنشيلوتي سيطرة يوفنتوس المطلقة على بطولة الدوري طيلة السنوات الماضية ويحقق المعجزة؟ الجواب سيكون عند كارلو، الذي ونسبةً لتاريخه التدريبي، من المؤكّد بأنه سيعطي الإضافة الكبيرة لنادي الجنوب. المعاناة التي قاساها نابولي في المواسم الثلاثة الأخيرة، هو الفشل في «تحقيق الألقاب»، حتى أنّ كأس إيطاليا لم يستطع نابولي تحقيقها مع ساري. الأخير كان دائماً ما يركّز بشكل أساسي على بطولة الدوري الإيطالي كأولوية في حساباته. وأكبر دليل على ذلك، هو التنحّي عن بطولة الدوري الأوروبي «اليوروباليغ» الموسم الماضي، حيث فضّل ساري الخروج المبكر من البطولة على يد نادي لايبزغ الألماني، مركّزاً جلّ اهتماماته على الدوري وعلى منافسة يوفنتوس.
لدى أنشيلوتي المعادلة مختلفة. مدرب كتب التاريخ مع ميلان، وأعاد ريال مدريد للهيمنة الأوروبية مرة أخرى بعد غياب دام لأكثر من 10 سنوات. كانت لحظة رفعه لكأس «ذات الأذنين» نقطة البداية لما أصبح عليه النادي الملكي الآن. لكننا جميعاً نعلم من هو أنشيلوتي، ونعلم بأنه سيفضّل الفوز بالألقاب على تقديم كرة قدم جميلة. ولكن في النهاية ستُرفع الألقاب وهذا هو المطلوب. سبب آخر دفع بأنشيلوتي للقدوم إلى نابولي وبأن يتسلم رئاسة الجهاز الفني في النادي، هو «كرهه الشديد» لنادي يوفنتوس وتعطّشه لهزيمته وانتزاع اللقب من بين يديه. فقد قال مدرّب نابولي الجديد في كتابه عن يوفنتوس «أبداً لم أحب يوفنتوس، ولن أحبه. قصتي مع يوفنتوس قصة حب لم تبدأ من الأساس، كنا مختلفين تماماً، أنا ابن الشعب وهم متأنقون في السترات، أنا بلاستيك وهم من ذهب». وأين يا ترى سيكون المكان المناسب لتحقيق كل هذه الأمنيات وتفريغ كل هذه الرغبة بهزيمة يوفنتوس؟ نابولي طبعاً.

يفضل كارلو أنشيلوتي وجود مهاجم صريح ينهي الكرات بدلاً من المهاجم الوهمي


اذهب وامشِ قليلاً في شوارع مدينة الجنوب، واسأل أياً من المارّين في شوارعها الجميلة رأيه بفريق «السيدة العجوز»، الإجابة معروفة طبعاً. أو ستخرج من أفواههم بعض الكلمات التي لا يمكن ذكرها. نعطي مثالاً على ذلك، ما يباع الآن في أسواق وشوارع المدينة، صور لكريستيانو رونالدو، اللاعب الذي اشتراه يوفنتوس في الأسابيع الماضية، مطبوعة على سلّات المهملات. هذه هي نابولي وهذا هو رأيها في يوفنتوس.
هكذا، ستكون العلاقة بين نابولي وكارلو أنشيلوتي وأهدافهم الواحدة بمثابة «الشرارة» التي سينطلقون منها لتحقيق مبتغاهم وتجريد يوفنتوس من لقب الدوري لأول مرّة من سبع سنوات. مع قدوم كارلو، قد تختلف طريقة اللعب التي اعتاد عليها الفريق، ولكن علينا الانتظار، ربّما الأمور لن تتجّه إلى تغيير طريقة اللعب، أو إلى خلق طرق لعب جديدة من قبل أنشيلوتي. فالمدرب الإيطالي «المخضرم» يعرف كيف يسيّر الأمور نظراً لخبرته الكبيرة في الملاعب الإيطاليّة. وما يعطي الجماهير «النابوليتانية» بعضاً من التفاؤل، هو بأن هنالك رقماً كبيراً من اللاعبين الذي لعبوا إلى جانب بعضهم البعض لثلاث سنوات، أي بأنّ المدرّب الجديد لن يجد صعوبة في إيجاد التفاهم بين اللاعبين، كل ما عليه هو وضع الـ«بصمة». وبدأ فعلاً في وضعها، فقد انتدبت إدارة النادي لاعبين جدداً، كسيموني فيردي من بولونيا، أحد أبرز المواهب في الدوري الموسم الماضي، بالإضافة إلى تعاقدها مع لاعب خط الوسط الإسباني فابيان رويز لاعب ريال بيتيس السابق كبديل «جاهز» لرحيل البرازيلي الإيطالي جورجينيو إلى تشيلسي. اجتاز أنشيلوتي مع نابولي العقبة أو التحدي الأوّل له في الدوري الإيطالي بعد أن حقق فوزاً صعباً على فريق العاصمة الإيطالية لاتسيو. نتيجة 2-1 ليس هي ما يمكننا الانطلاق منه للصق بعض التعليقات والانتقادات، فهذه النتيجة اعتدنا عليها من قبل مدرب كأنشيلوتي الذي يفضّل الثلاث نقاط على ما سيقدّمه على أرضية الملعب. لكن الأمر مع نابولي سيختلف ربّما بالنسبة إلى كارلو وأفكاره، فنابولي الـ«هجومي» لم تفتقده الملاعب الإيطالية، نابولي ضَغَطَ، نابولي حاولَ ونابولي سجّل. في النهاية، الفوز في ملعب «الأولمبيكو» ليس بالأمر السّهل ولكن «الحبل عالجرّار».
الأمر لن يكون سهلاً على جماهر نابولي، فمن المتوقّع بأن يغيّر أنشيلوتي في طريقة اللعب ولو قليلاً، وأن تشاهد الجماهير «نابولي جديد» ربّما، «نابولي كارلو انشيلوتي». ولكن من الممكن أيضاً أن يبقي إرث ساري في سماء سان باولو وأن يضيف بعض «اللمسات» عليه. علينا بالانتظار.
فنّياً، سيكون الأمر مختلفاً بالنسبة إلى كارلو أنشيلوتي، فبخلاف طريقة اللعب بين المدربين ساري وكارلو، إلّا أنه هناك بعض التفاصيل التي يحبذها مدرب ولا يحبذها الآخر. على سبيل المثال، لطالما كان يفضل «الميستر» أنشيلوتي وجود رأس حربة ينهي الكرات، أو بمعنى أدق، وجود رقم ٩. فترته مع باريس سان جيرمان كان فيها زلاتان السويدي زلاتان ابراهيموفيتش والاوروغواياني إيديسون كافاني. مع ريال مدريد كان يوجد كل من غونزالو هيغوايين وكريم بنزيما. حتى في الفترة التي يتّفق الجميع بأنه لم ينجح فيها مع بايرن ميونيخ الألماني، فإن روبيرت ليفاندوفسكي كان حاضراً. في نابولي الأمر في السنتين الماضيتين كان مختلفاً، ساري يعتمد على البلجيكي دريس ميرتينز (في الأصل كان يلعب في مركز الجناح الأيسر) كرأس حربة وهمي مع الاستغناء عن هيغوايين لليوفي، مع الاستفادة من البولندي أركاديوش ميليك في خط الهجوم أيضاً كلاعب بديل. مع كارلو ربّما لن تنجح الخطة «السارية البيب غوارديولية». فمن المتوقّع أن يعتمد أنشيلوتي على ميليك كمهاجم رأس حربة.
نقطة أخرى، ساري كان يحب كثيراً لاعباً إسبانياً ضمن صفوف فريقه السابق نابولي، ولا يمسّه بتبديل حتّى، بل يعتبره من بين ركائز نادي نابولي. خوسيه كاليخون، اللاعب الذي أخرجه أنشيلوتي بدوره من حساباته عندما كان مدرباً لريال مدريد، فخيار كاليخون كان من قبل المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو في الأساس.