في ضوء احتلال الصهاينة لمعظم أراضي فلسطين في 1948، اضطر أكثر من نصف الشعب الفلسطيني للجوء إلى البلاد العربية المجاورة. كان للبنان حصة كبيرة من اللاجئين. آلاف من الشباب الوافدين حطّوا رحالهم مع أهاليهم في مخيمات موزّعة على جنبات عدد من المدن اللبنانية على أمل العودة، وبين هؤلاء الشباب المئات ممن تعلقوا بحبال كرة القدم وبرزوا في ميادينها نتيجة تباريهم واحتكاكهم اليومي مع اللاعبين المحتلين من الإنكليز. إلى جانب آمال العودة، جاء هؤلاء بشغفهم معهم، ومنه كرة القدم.

في لبنان شهد مطلع الستينيات تبلور نجومية العديد من الشباب الذين وصلوا صغاراً مع آبائهم إلى المخيمات المستحدثة في لبنان. تسابقت الأندية الكبيرة لكسب جهودهم ضمن صفوفها. وخلال سباق «التدعيم» الكروي هذا كان اختيار الأندية للاعبين «طائفياً». وهذه الحالة اللبنانية قائمة «من زمان كتير». الأندية المسيحية فتّشت عن ضالتها بين الفلسطينيين المسيحيين ومثلها الأندية المسلمة. أما من تجاوز هذا الفخ المقيت فكان يفتّش عن شعبية أو مصلحة مادية أو رفقة حميمة مع أصحابه من اللاعبين. لم ينسَ الفلسطينيون يوماً جذورهم. في لبنان، ومنذ الأشهر الأولى للنكبة عمد الشباب الفلسطيني إلى تشكيل فرق شعبية داخل المخيمات، حيث أطلقوا عليها أسماء بلداتهم للمحافظة على العلاقة مع الأرض والتاريخ. وصل عدد تلك الفرق مطلع الخمسينيات إلى أكثر من 60 فريقاً موزّعة على مخيمات برج البراجنة، صبرا وشاتيلا، مار الياس، تل الزعتر (بيروت والضاحية)، نهر البارد... وغيرها الكثير. أكثر من نصف هذه الفرق كانت في بيروت وضواحيها. ومن أهمّها على صعيد النتائج والإنجازات والاستمرارية، الكابري (تأسس في عام 1951 في برج البراجنة)، القسطل (1955)، البعث (1955)، الشعلة (1964)، نجوم فلسطين (1965)، حيفا والقدس (1970).

يتقاضى طاقم الحكام الفلسطيني 50 دولاراً فيما يتقاضى اللبناني 150 و200 دولار


بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان تواصلت عمليات تأسيس الفرق بإيعازات سياسية وحزبية، لتطل علينا فرق جديدة. كمال ناصر وأريحا والخالصة والطلائع والديموقراطية (القسّام) وتل الصافي (1976)، مجدو وطوباس بلدنا والكرمل (1977)، طبريا وطولكرم (1978)، الأقصى (1980)، وفلسطين والكرامة وجنين والمجدل والجليل وشهداء الأقصى وغيرها. ما هو لافت، أن منتخب فلسطين في حقبة السبعينيات كان يتم اختياره من لبنان وسوريا (9 لاعبين من كل بلد)، أما اليوم فغالبيته من فلسطين حيث يشرف على إدارته جبريل الرجوب، ويتمّ التنسيق مع لبنان عبر دياب الخطيب (رئيس الاتحاد الفلسطيني في لبنان). انتهت الحرب اللبنانية التي شاركت فيها فصائل منظمة التحرير، لكن الفلسطينيين بقوا، وبقي معهم شغفهم بالكرة. ولتنظيم الحركة الكروية الفلسطينية في بيروت الكبرى تمّ تأسيس «تجمع الأندية» في عام 1994، إلا أنّ الخلافات بين أعضائه جمّدت نشاطه وحركته. ولكن في الفترة التي سبقت الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982) ونظراً إلى كثرة الأندية الفلسطينية الموزّعة بولاءاتها على القوى والأحزاب والفصائل، نظّم القيّمون على الحركة الكروية الفلسطينية الدوري الفلسطيني. شارك في الدوري 14 فريقاً نصفها من مخيمات بيروت. أقيمت المباريات على ملاعب المدينة الرياضية والصفاء والشبيبة المزرعة، وتمتع كل فريق بحق إشراك ثلاثة لاعبين لبنانيين. ستّة مواسم فقط تقاسم ألقابها حيفا والطلائع والديموقراطية. لاعبون معروفون ارتدوا قمصان الفرق الفلسطينية، نذكر منهم حسن شاتيلا، شاهين فرزان، وليد زين الدين، غسان أبو ذياب، أسعد قلوط (فريق حيفا)، عدنان حمود، اسماعيل حيدر وغيرهم.

الزقّا: أيّام العز
للوقوف على الواقع الكروي الفلسطيني الحالي، توجّهنا إلى المدرّب والحكم واللاعب، الكابتن محمد الزقا (61 عاماً) المشرف على نادي شهداء الأقصى. في منزله عند أطراف مخيم برج البراجنة رحنا نستذكر الماضي بشوق وحنين. عند التطرق إلى الوضع الحالي للكرة والأندية الفلسطينية، يسهب «أبو توفيق» في تشريح الكرة الفلسطينية المتهالكة. «لولا بعض المبادرات التي تقوم بها بعض الأحزاب والمؤسسات الإنسانية وجمعيات أوروبية تجاه فرقنا في المخيمات لتعطّلت اللغة الكروية وغابت مفرداتها بين أجيالنا»، يقول الزقا. أخبرنا عن المبادرة التي قام بها فريق سلتيك الاسكتلندي في سياق تضامنه مع الشعب الفلسطيني، حيث عمد مشجعوه إلى رفع علم فلسطين في المدرّجات. لاحقاً حضر وفد من النادي الاسكتلندي إلى بيروت واجتمع مع فريق شهداء الأقصى وتبادلوا القمصان، وأخذوا على عاتقهم تزويد الفريق ببعض التجهيزات والمعدّات. سارع الزقا وأحضر الشهادات التي حصّلها في ميادين التدريب والتحكيم والإدارة قائلاً: «ماذا أفعل بها، لا أستطيع أن أقود مباريات ولا يحق للفرق اللبنانية إشراك أكثر من لاعب فلسطيني كلاعب محلي. هذا القرار يجب دراسته بحكمة وإنسانية، فهناك أجيال كروية ولدت في لبنان، تتمرن وتتطور وتحتك مع الفرق. يتم اختيار الأكثر تألقاً ونقله إلى إحدى الأندية، أما الباقي فينتظره البؤس والشقاء. الواقع أفضل بكثير في الأردن ، حيث يصل راتب أحد اللاعبين الى 5 آلاف دولار أي ما يوازي موازنة فريق فلسطيني في لبنان». وعن الأندية وتوزيعها في بيروت، لديه الكثير أيضاً...«أنشأنا أخيراً اللجنة الرياضية الفلسطينية لتنظيم الدورات والبطولات بين 17 نادياً موزّعين على مخيمات البرج وصبرا وشاتيلا ومار الياس». ولتبقى الأندية في حركة نشيطة ومستمرة، يصار إلى تنظيم دورة الأضحى ودورة شهر رمضان وكأس النخبة بين 6 فرق، ويختم «الموسم الفلسطيني» بكأس السوبر. معاناة الكرة الفلسطينية في لبنان كبيرة. زوال الملاعب وارتفاع تكلفة التمارين أدت إلى تراجع ظهور اللاعبين الموهوبين وتزايدت الإصابات، لأنّ البعض يصرّ على اللعب على الباطون توفيراً لدفع المال. يشرح الزقا: «يزيد في إعاقتنا عن العمل الشح المادي وضغط النازحين السوريين إلى المخيمات». فقراء يستقبلون فقراء. يختم المدرب مستنكراً: «يتقاضى طاقم الحكام الفلسطيني 50 دولاراً على المباراة فيما يتقاضى الحكم اللبناني 150 و200 دولار عن كل مباراة»، وهذا التمييز كافٍ ووافٍ. والزقا ليس وحيداً. بعد النكبة، غصّت ملاعبنا بالنجوم الفلسطينيين. بين عامي 1975 و1982 تكاثرت الأندية الفلسطينية، لكنها كانت مرآة للمجتمع الفلسطيني في لبنان آنذاك. لقد عكست صورة التشظّي السياسي للفصائل والحركات الفلسطينية فتراجعت عمليات تفريخ اللاعبين على حساب إعداد المقاتلين، ليواصل جيل السبعينيات في تلك المرحلة وحيداً في الساحة. أما في التسعينيات فقيّدت الأنظمة الكروية المحلية عمليات التمدد الفلسطيني في الأندية، ما أجبر الآخرين على الانكفاء. من بقي في الساحة في الوقت الراهن لا يتجاوز عديده 20 لاعباً ، يجتهدون ليواصلوا مسيرتهم بمواجهة الصعوبات والتمييز، مِن آثار الاحتلال، وتعب اللجوء.



الكرة المقاوِمة
عرفت مرحلة ما بعد النكبة وجوهاً كروية لافتة، أبرزها ابراهيم عبد الفتاح «أبو هاني»، المتزوج من شقيقة نجم منتخب لبنان في الخمسينيات أحمد علامة قبل وقوع النكبة بثلاث سنوات. خلال مشاركته اللعب مع الضباط الانكليز بحكم عمله معهم ضمن فرقة سلاح الإشارة (الاتصالات) كان يعمد إلى تسريب تحرّكاتهم إلى المقاومين الأوائل بقيادة عبد القادر الحسيني. كان ابن طولكرم من المؤسسين الأوائل لنادي شباب الساحل اللبناني الذي درّبه وجمع لاعبيه ولاحقاً برز في صفوفه أولاده الثلاثة هاني وجاد ومحمد. بالإضافة إلى «أبو هاني»، هناك أسماء كثيرة لمعت في الكرة اللبنانية، من بينها جمال الخطيب، سمير نصّار، حسين قاسم، جميل عباس، رامي وعلي أسعد في النجمة، وأحمد فستق، يوسف السوداني، صبحي أبو فروة، محمد الشريف، حمّادي، عمر ومحمد أدلبي، محمد وأحمد ووليد يحيى، حسين كيبا، وأحمد الخضر في الأنصار.