عشية انطلاق كل موسم جديد يبدأ توافد اللاعبين الأجانب إلى لبنان. لكن المواسم الأخيرة شهدت ظاهرة لافتة وهي تقلّص وجود اللاعب العربي في ملاعبنا بعكس ما كان عليه الأمر في التسعينيات وحتى مطلع الألفية الجديدة، حيث سجّل اللاعبون العرب حضوراً لافتاً. يوم قرر الرئيس السابق لنادي النجمة عمر غندور استقدام المصري هشام ابراهيم في تسعينيات القرن الماضي، اعتُبرت الصفقة الأضخم في الدوري اللبناني، حيث بلغت كلفتها 85 ألف دولار. تغيّرت الأحوال اليوم، وهناك أسباب.

لم يعد الدوري اللبناني وجهةً مقصودة بالنسبة إلى اللاعب العربي. هذا الأمر يتفق عليه المتابعون، وخصوصاً بعدما بدا جليّاً أن الساحة خلت للاعبين الأفارقة أكثر من غيرهم في المواسم القريبة الماضية، وذلك لأسبابٍ عدة.
والسؤال عن اللاعب العربي يأتي لناحية ترك العديد من اللاعبين القادمين من البلدان الناطقة بلغة الضاد بصمةً واضحة في ملاعبنا اللبنانية، إذ لا يمكن نسيان أسماء المصريين حمادة عبد اللطيف، أشرف قاسم، طارق يحيى، وهشام ابراهيم. كما سجّل العراقيون مع الحارس عامر عبد الوهاب، ناطق هاشم، ليث حسين، هوار ملا محمد، عبد الوهاب ابو الهيل، حيدر نجم، حمزة هادي ومحمود مجيد، حضوراً مميزاً.

ليث حسين

ومثلهم فعل السوريون مع لاعبين عدة كان أشهرهم الحارس ماهر بيرقدار والهداف عساف خليفة. لكن اليوم تبدّلت الأحوال وتغيّرت الأوضاع، إذ إن لبنان لم يعد بالنسبة إلى اللاعبين العرب مكاناً لعطلة دائمة على غرار ما كان في الماضي بنظرهم. هنا خرجوا من الضغوط الاجتماعية التي عاشوها في بلدانهم، ووجدوا في الدوري اللبناني أرضاً لـ «الاحتراف»، ولو أن هذا المصطلح لم يدخل يوماً إلى كرتنا. الأوضاع الأمنية المضطربة عبر السنوات، والجوّ العام للبلاد، المستوى الفني للدوري اللبناني والأوضاع المالية للأندية، كلها من الأسباب التي صبّت في مصلحة البطولات الوطنية الأخرى في المنطقة، والتي فضّل اللاعب العربي الذهاب إليها، فكّت الارتباط بشكلٍ أو بآخر بين هؤلاء ولبنان.
سعر هشام ابراهيم في التسعينيات كان يوازي 4 شقق سكنية


في تلك الفترة كانت القدرة المالية للأندية اللبنانية جيّدة، في وقتٍ كانت فيه الرواتب متدنية في بطولات سوريا والعراق على سبيل المثال. هنا حصل اللاعب العربي على راتب تراوح بين الـ 1000 والـ 1500 دولار أميركي، فكان لبنان «خشبة خلاص» مادية بالنسبة إليه، رغم أن المستوى الفني في تلك البلدان كان أعلى من مستوى الدوري اللبناني. واللاعب العراقي على وجه الخصوص اتخذ لبنان كإحدى الوجهات المفضّلة، والفرق اللبنانية سعت دائماً إلى استقطاب أفضل المواهب من بلاد الرافدين. لاعبٌ مثل عبد الوهاب أبو الهيل وصل إلى الأخاء، الذي يدرّبه حالياً، بعد وساطات سياسية للسماح له بالخروج من العراق. في تلك الفترة منع عدي صدام حسين اللاعبين العراقيين الذين يدافعون عن ألوان المنتخب من اللعب خارج البلاد، لكن أبو الهيل حطّ في الجبل وتألق لاعباً، وهو يواصل المسيرة اليوم مدرباً مميزاً. الصورة معكوسة الآن مع ارتفاع معدل الرواتب في العراق إلى 150 و200 ألف دولار للاعب المحلي الذي يلعب أساسياً في فريقه، بينما استفاد السوريون من نتائج أنديتهم ثم منتخباتهم خارجياً فاحترفوا بمبالغ كبيرة في الخليج العربي أو في بلدانٍ آسيوية أخرى، فأصبحت هناك صعوبة للأندية اللبنانية التي تعاني بغالبيتها مالياً لمجاراة أندية البلدان العربية الأخرى، ليصبح من المستحيلات ضمّ أي لاعب من المستوى الأول. ضربةٌ بلا شك للكرة اللبنانية التي استفادت من وجود هؤلاء اللاعبين أصحاب المستوى العالي الذين أغنوا ملاعبها وعكسوا صورة قوية عن الدوري المحلي، ما ساهم في قدوم المزيد منهم.

دور إدارات الأندية
إن عدم قدرة إدارات الأندية على إيجاد مصادر تمويل يمكنه نقلها، ونقل الكرة اللبنانية إلى مستوى أعلى، هو عامل حاسم في هذه المسألة. لكن وفي ظل وجود رأي يقول بأن الأمر خارج عن إرادة هذه الإدارات بسبب الوضع الاقتصادي العام للبلاد وللعبة بشكلٍ خاص يبرز رأي آخر. وكيل اللاعبين رامي سعود الذي عمل مع غالبية الأندية اللبنانية على صعيد استقدام اللاعبين والمدربين إليها، وخصوصاً من أفريقيا والبلدان العربية، يحمّل المسؤولية للأندية نفسها، فيقول: «سابقاً كانت إدارات الأندية أفضل، إذ رغم أنها لم تكن يوماً محترفة فهي عرفت كيفية التعامل مع اللاعبين وجذبهم إليها». ويشرح: «في الزمن البعيد وُجد على رأس هذه الإدارات أشخاص لديهم الإمكانيات المالية والشخصية القيادية في آنٍ معاً، أمثال عمر غندور، انطوان شويري، بهيج أبو حمزة، قبلان يمين، وعلي أحمد. هؤلاء كانوا رجالاً ناجحين في مجالاتهم فعرفوا كيفية نقل خبراتهم التي نجحوا من خلالها في عالم «البيزنس» إلى اللعبة لإدارة أنديتهم بشكل جيد جداً».

حمادة عبد اللطيف

يغمز سعود من قناة المصداقية التي تعدّ الأساس في أي ارتباطٍ مع لاعبٍ سواء كان أجنبياً أم عربياً. وفي هذا الإطار يبدو دور اللاعب العربي خطراً، إذ إنه ينقل أي وضعٍ سلبي يعيشه في لبنان إلى مواطنيه، وبحكم القُرب الجغرافي يصبح صيت الدوري سيّئاً، وتحديداً بالنسبة إلى طريقة التعامل مع بعض اللاعبين الأجانب الذين أتوا إلى لبنان وعاشوا مصاعب هنا، وهي مشكلة كان بالإمكان لمسها في أكثر من نادٍ في المواسم الأخيرة. ويحكي سعود: «على سبيل المثال لا الحصر، من المخيّب أن نسمع أن لاعباً مثل المصري عمرو زكي تمكن من الفرار بمبلغٍ سبق أن حصل عليه للتوقيع مع العهد لكنه لم يأتِ أبداً إلى بيروت. هي مسألة تضرب سمعة الأندية اللبنانية وتترك فكرةً بأنها غير جديّة ويمكن استغلالها». من هنا يمكن وصف الوضع بالسيئ على صعيد التعامل المحترف في المفاوضات وفي العقود، وهو أمر ذاع صيته في بلدانٍ كثيرة مجاورة... «حيث يتهكّم اللاعبون العرب إذا ما طلبنا منهم القدوم للعب مع أحد الفرق اللبنانية، فلم يعد هناك أي شيء يشجّعهم للقدوم إلى هنا، لا الرفاهية، ولا المال ولا حتى إمكانية تطوّرهم».

عرب من خارج النخبة
إذاً شتّان ما بين الماضي والحاضر، فللاعب العربي الذي يأتي إلى لبنان حالياً قد يكون وصل «عن طريق الخطأ»، وهو ما أثبتته التجارب في المواسم الأخيرة التي شهدنا فيها تعاقد بعض الأندية مع لاعبين عرب. لاعبٌ مثل التونسي إيهاب المساكني مثلاً، والذي دافع عن ألوان العهد، اتخذ الدوري اللبناني كمحطة لإعادة إطلاق مسيرته والحصول على فرصة وعرضٍ أفضل في بلاده الأم. ويحكي مصدرٌ واكب اللاعب عن كثب بأنه لم يكن يهوى التمارين ولم يلتزم بها، في إشارةٍ إذا ما دلّت على شيء فهو على اعتباره بأن مستواه أعلى من مستوى الدوري الذي يوجد فيه. كما أن مواطنه يوسف المويهبي، عرف لبنان كمحطة لاستعادة لياقته وقدراته التي فقد الكثير منها عقب إصابته بعدما كان أحد أفضل لاعبي بلاده.
ماهر بيرقدار

لكن مشواره كان مخيّباً إلى حدٍّ كبير، وشكّل صفقةً خاسرة بامتياز بالنظر إلى المبلغ الكبير الذي عرفه عقده مع بطل لبنان. أما في النجمة، فيمكن ذكر اسم السوري عبد الرزاق الحسين الذي كان قد احترف في الإمارات والسعودية، لكن وبعدما قام بكل ما يمكن القيام به للعب في بطولات الخليج الرفيعة المستوى، ومع تقدّمه بالسن، كان لبنان من الخيارات الضيّقة المتاحة أمامه، فبقي في النجمة بعدما لعب مع العهد أيضاً. وفي النجمة أيضاً، عَبَر المصري محمود فتح الله. اسمٌ للاعب برز في الملاعب المصرية وانسحاباً إلى المنتخب الوطني الذي أحرز معه كأس الأمم الأفريقية مرتين، لكن الدوري اللبناني شكّل منصة لتجربة جديدة، لا أكثر، في نهاية المسيرة بالنسبة إليه، فتمّ الاستغناء عنه بين مرحلتي الذهاب والإياب للموسم الماضي، تماماً، مثل زميله الحسين!