في عشرينيات القرن الماضي، بدأت تتوافد إلى لبنان حشود كبيرة من الأرمن الذين كانوا يعيشون في تركيا وسوريا. أبرز دوافعهم للمجيء إلى لبنان هو ما تعرّضوا له من ظلم وتمييز وصولاً إلى الإبادة. في عنجر كانت محطّتهم الأولى، ومنها كانت هجرتهم الثانية نحو مدينة زحلة ثمّ إلى برج حمود التي أصبحت مع الوقت عاصمتهم ومركز ثقلهم الديموغرافي والاقتصادي والمهني والرياضي، ولاحقاً تمددوا نحو مناطق أخرى كالبدوي وانطلياس والمدوّر وجل الديب. في لبنان بنوا تاريخاً «رياضياً» موازياً للبناء الاجتماعي والسياسي. لكن «الرياضي الأرمني» في لبنان تراجع لعدة أسباب. الجيل القديم يذكر جيداً الدربي: هومنمن x هومنتمن.

واقع الأرمن الفكري والمعيشي في لبنان لا يحتاج إلى دليل فقد تُرجم من خلال انضمام شبابهم إلى الحزبين الرئيسيين في تلك الفترة، الطاشناق، اليميني الذي تأسس في عام 1890 في الدولة العثمانية، ويعتبر الممثل الأكبر للبنانيين المتحدّرين من أصول أرمينية، والهانشاق الاشتراكي الذي تأسس في سويسرا في عام 1887 ولاحقاً في لبنان في عام 1908، وأخيراً الرامغفار الليبرالي الذي تأسس في عام 1921 ويضمّ الطبقة الميسورة من الأرمن. من هذه الأحزاب التي انطلقت في لبنان على نحوٍ فاعل مطلع العشرينيات توزّعت الاهتمامات الرياضية والكشفية للشباب الأرمن. انتشروا بين جمعيات هومنتمن (طاشناق) وهومنمن (هانشاك) وأنترانيك (رامغفار)، بالإضافة إلى أندية كروية كان لها الأثر الإيجابي والدور الفاعل في تأسيس الاتحاد اللبناني لكرة القدم. ظهر الأخير في آذار من عام 1933 برئاسة حسين سجعان كأضنه والوهاكن وأراكس وباغرميان. في الواقع، وفي البداية، كان عدد الفرق الأرمنية في البطولة الأولى نصف الأندية المشاركة: 7 من أصل 14. أما لجهة تعامل الأرمن مع الواقع السياسي المنقسم باستمرار في لبنان فخلاصته «عدم التدخل في الصراعات السياسية اللبنانية، والوقوف دائماً إلى جانب الدولة، وليس إلى جانب الأحزاب». ربما تغيّروا قليلاً، ولكن هذه سياسة، ونحن نتحدث في الرياضة. وفي الرياضة لا أحد ينكر دورهم وحيثيتهم ولبنانيتهم.

هومنتمن... كان زمان؟
في ضوء السعي لمواجهة الحياة بروح نظامية والعمل على بناء شخصية الأجيال الجديدة الواعدة من الأرمن في بلدانهم الجديدة، تركزت الاهتمامات الأولى على تأسيس الفرق الكشفية وصقل المواهب الرياضية في أكثر من لعبة، ككرة القدم وكرة السلّة وكرة الطاولة وسباق الدراجات. وعبر بوابة كرة القدم سطع اسم الهومنتمن الذي تأسس في تركيا. أما في لبنان، وفي 1918، سريعاً فرض الفريق نفسه بطلاً على معظم بطولات الدوري اللبناني التي أقيمت بعد الاستقلال، حاصداً سبعة ألقاب دوري بجدارة (1944، 1946، 1948، 1951، 1955، 1963، 1969). نقش اسمه على مسابقة الكأس ثلاث مرّات (1943، 1848، 1962). لطالما كان لاعبوه عماد المنتخبات الوطنية، وبقي يسير في الخط التصاعدي لغاية عام 1975. ثم خفت بريقه وغاب عن المنصّات، ليستعيد بعض رونقه السابق خلال حقبة التسعينيات مستفيداً مع غريمه الهومنمن من عمليات التجنيس التي حصلت في عام 1993. ومن المحال أن ننسى أسماء كبيرة فرضت نفسها على ساحتنا الكروية، كبابكين وكوركين ووارطان وفاسكين وآرمين وغيرهم. بعد أيام طويلة من «العز والأمجاد» الكروية، غاب فريق هومنتمن عن الأضواء. سقط إلى أندية الدرجة الثانية في 2005 ومن ثم إلى الثالثة ثم عاد إلى الثانية ولم يزل فيها لغاية اليوم. وفي حديث مع أيقونة الكرة الأرمنية في لبنان أوهانس هوصوميان المعروف بـ «جوكي»، وهو من مواليد عام 1937، وكان قد استهل مسيرته مع الهومنمن أوائل الخمسينيات قبل أن ينتقل إلى الهومنتمن في عام 1958 ومعه اعتزل في عام 1971، لخّص «الجوكي» لنا أسباب التراجع وأسرار الغياب. «في خضّم التسييس الذي أصاب الرياضة اللبنانية عموماً، وكرة القدم خصوصاً، اضطر الهومنتمن أن يقف بعيداً، مع الإشارة إلى أننا أوّل من أسس الفرق الخاصة بكافة الفئات العمرية في لبنان». يتحدث بثقة، وينبش من ذاكرته الكثير: «اشتغلنا بالرغم من صعوبة الظروف، وكانت صفوفنا كلها من اللاعبين الأرمن، وكنا نتكفّل بمصاريفنا، أما اليوم فتغيّرت المعطيات وظروف الحياة وتفاصيلها». أما التغيرات، فكثيرة، وأهمها بطبيعة الحال: «لا يوجد مال ولا إمكانيات لبناء الفريق والاستمرار، علماً أن فريقنا يملك جمهوراً كبيراً وملعباً خاصاً به، وهذه الحيثية تفيده كثيراً، لكن الموازنة المحترمة غير متوافرة لمواكبة اللعبة التي أصبحت مصلحة ومهنة وغارقة في الماديات». «الجوكي» استسلم تماماً: «لا يمكننا مواجهة الأندية التي تصرف الكثير على التدعيم وتأمين الرواتب الكبيرة، وبالرغم من ذلك نسمع باستمرار عن انتكاسات وانسحابات وإفلاسات».

رُسمت خطّة جديدة بعد التشاور مع اللجنة العالمية لأندية الهومنمن


ولنائب بيروت هاغوب ترزيان، الذي له صولات وجولات في ميادين كرة السلة لاعباً وإدارياً، وجهة نظر قريبة. يرى أن غياب الهومنتمن عن المشهد الكروي المحلي مردّه إلى الشق المادي... «فريق كرة السلة، حظي برعاية واهتمام وموازنة من بعض المهتمين فيما فريق كرة القدم لم يتسن له الفوز بأي رعاية ولا تأمين الموازنة اللازمة لبقائه على ما كان عليه في السابق». يدرك ترزيان «حسرة» الجمهور الأرمني ــ اللبناني على هذا الواقع المرير، ويمنّي النفس بعودة «البرتقالي» إلى أضواء الدرجة الأولى: «حالياً نلعب وفق قناعة البقاء ضمن صفوف الدرجة الثانية ولكن عندما تتوافر الموازنة المناسبة سنعود سريعاً إلى الأولى». يشير إلى أن فرق جمعية هومنتمن وفي أكثر من لعبة فردية وجماعية موزّعة في أكثر من منطقة في لبنان، وهم يعرفون أن الانطلاقة الأساسية للجمعية «هدفت إلى التركيز على الكشاف لأنه يسهم ببناء الأجيال والمحافظة على الهوية الأرمنية». يعرف حزن جمهوره على ما آلت إليه الأحوال، لكن الحقيقة هي «عدم توفّر الإمكانات المادية هي التي تحول دون العودة». ترزيان ينتظر الفرج.

هومنمن: خطة العودة
في 2003 سقط فريق هومنمن إلى الدرجة الثانية ثم عاد أدراجه إلى الأولى في 2004 ليحافظ على موقعه موسماً واحد قبل أن يعود مجدداً إلى «دوري المظاليم» في 2005. استمر التدهور، ولاحقاً عاد ليسقط إلى الثالثة ولم يزل مواظباً على مشاركته الشكلية من دون أي طموحات في نفوس اللاعبين والإداريين على حد سواء، فيما جدران النادي في منطقة البدوي تخبر عن بطولات وأمجاد ونجوم ما زالت أسماؤهم عالقة في الأذهان. في سجّل النادي فوزه ببطولة الدوري اللبناني أربع مرّات، وذلك في أعوام 1945 و 1954 و1957 و1961. الجدير ذكره في هذا السياق أن إدارة نادي هومنمن أخذت على عاتقها منذ تأسيس فريقها في لبنان تدعيم صفوفها بلاعبين من غير الأرمن، فحسني بزي وجورج مشرقي، لاعبان برزا مع القمصان الحمراء في فترة ما قبل اندلاع الحرب الأهلية في لبنان. للوقوف على أجواء النادي، كان لا بد من اللقاء مع عرّابه منذ ما يزيد عن 20 عاماً ميساك نجاريان (مواليد 1968)، الذي تمّ انتخابه مؤخراً رئيساً للجنة العالمية لأندية الهومنمن في العالم، الذي وصف المشهد كالآتي: «بعد سنوات من الوجود في الظل، ولما رأينا فريق الهومنتمن يطلّ بقوة على مسرح كرة السلّة ومن ثمّ عودة الانترانيك إلى الأضواء السلّوية مجدداً، كلاهما يثبت وجوده عبر أكثر من لعبة فردية وخصوصاً في كرة الطاولة والدراجات، كان لا بدّ من أخذ القرار بتلميع صورة نادينا الرياضية مجدداً». لتحقيق ذلك رُسمت خطّة جديدة بعد التشاور مع اللجنة العالمية لأندية الهومنمن. واليوم يعد نجاريان الإعلان قريباً عن القرار المركزي الهادف إلى وضع خطّة مدروسة لعودة نادي الهومنمن إلى الأضواء... «لن تكون إطلالتنا الرياضية مضيئة إلا من خلال كرة القدم، وفي أولى الخطوات التنفيذية تقدّمت باقتراح سيصار إلى درسه وبتّه قريباً». وفي تفاصيل خطّة العودة بيّن نجاريان الآتي: «طالبنا برصد موازنة تصل إلى مليون دولار للعودة إلى الأضواء، على أن نباشر ببناء فريق مؤهّل للعودة إلى الدرجة الثانية، ومن ثم نبني الفريق مع تدعيمات إضافية لموسمين على أبعد تقدير قبل أن نعود إلى موقعنا السابق في الدرجة الأولى... متى رصدت الموازنة سنعود إلى حيث اشتاقت لنا جماهيرنا». يقول بأملٍ كبير، وعلى الجمهور أن ينتظر.