برزت في كرة القدم مواجهات تاريخية كثيرة، اتصف بعضها بالندية، وأخرى وصلت إلى حد العدائيّة والكراهية. ولأن الفوز لا طعم له إن جاء دون منافسة، فقد كثرت «الملاحم» الكروية عبر التاريخ. كلاسيكو كبير يعيشه العالم كل عام، وهو كلاسيكو البرتغال، المباراة التي تخطّت الجانب الرياضي للعبة، لينقسم البلد بسببها إلى «دويلتين». دويلة تنانين بورتو، ودويلة نسور بنفيكا.

مرة جديدة كانت المنافسة في البرتغال بين بورتو وبنفيكا. الأخير أحرز اللقب للمرة الـ37 في تاريخه بفارق نقطتين فقط عن الأول (87 ـ 85). الحكاية بين الناديين تعود لسنوات طويلة، وبالتالي فإن الصراعات قديمة ومتجذرة.
تقع مدينة بورتو في شمال البرتغال، وتعتبر أهم منطقة صناعية في البلاد، وثاني أكبر مدينة بعد العاصمة لشبونة. أسِّس نادي بورتو عام 1893، عن طريق تاجر نبيذ كان له الكثير من العلاقات التجارية مع الإنكليز. هؤلاء فضلوا نبيذ البرتغال بعد أن قاطعوا النبيذ الفرنسي، بسبب الحساسية التي كانت موجودة بين البلدين حينها. اكتشف التاجر البرتغالي مدى تعلّق الإنكليز بكرة القدم، ومدى شعبيّتها في بلادهم، أُعجب بالفكرة، وقرر استحضار هذه اللعبة، أو إذا صح التعبير هذه الثقافة إلى البرتغال.
أسس تاجر النبيذ البرتغالي نادي بورتو، أول نادي كرة قدم في تاريخ البرتغال. نجاحات كبيرة حققها نادي «التنانين»، الذي اكتسب لقبه بسبب الأسطورة الشائعة بأن التنانين كانت تحمي المدينة في العصور القديمة. أما ألوان النادي الأزرق، فهي نتيجة التأثر بالعلم السابق للبرتغال. شعبية كبيرة يتمتع بها النادي الأول في البلاد، أسست لمنافسة كبيرة مع نادي الجنوب بنفيكا، الذي يتخذ من العاصمة مقراً له، هناك حيث الثراء والبذخ. تأسس النادي عام 1904، وعلى الرغم من كون بورتو أقدم من حيث التأسيس، إلا أن نادي بنفيكا يعتبر الأنجح في البلاد على صعيد التتويج بالألقاب، كما أنه صاحب الرقم القياسي بعدد الثنائيات (حقق لقبي الدوري والكأس المحليين في عام واحد 10 مرات). تنقلب الصورة في البرتغال، فأندية الجنوب هي الغنية، على عكس فرنسا وإيطاليا، حيث إن المنافسة كبيرة، والكراهية أكبر بين أندية الجنوب الفقيرة، وأندية الشمال الغنية. ولكن لمن يعرف كرة القدم جيداً، يُدرك أن كرة القدم الحقيقية هي في مارسيليا ونابولي، وليست في باريس. في الجنوب هناك الشغف وحب الكرة.
يملك نادي «النسور» بنفيكا أكبر قاعدة جماهيرية في البرتغال، حيث بلغت بطاقات العضوية حتى عام 2018، (14) مليون منتسب، كما أنه أكثر ناد أوروبي يمتلك نسبة مشجعين في بلده. ومن هنا فإن أندية بنفيكا وبورتو وسبورتينغ لشبونة، تعتبر الأندية التي لم تهبط أبداً إلى أندية الدرجة الثانية في البرتغال.

تؤمن جماهير بورتو بأن التنانين تحمي مدينتهم كما في العصور القديمة


كلاسيكو البرتغال تخطى الجانب الرياضي للعبة، ليطال الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بفعل المشاكل القديمة بين مدينتي بورتو ولشبونة. بدأت الصراعات الكروية بين الفريقين في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث تعثرت علاقتهما مع انطلاق المنافسات الرسمية. حينها شهدت الملاعب الكثير من أعمال الشغب، المتمثلة بالشتائم وغزوات الملاعب.
في البداية سيطر نادي بورتو على الألقاب المحلية، وكانت انتفاضة بنفيكا في الفترة الممتدة بين أربعينيات وستينيات القرن الماضي، حيث فاز بورتو باللقب مرتين فقط خلال هذه الفترة، مقابل سيطرة شبه كاملة لأندية العاصمة. العداوة بلغت أوجها في عام 1982، بعدما تولّى بينيتو دا كوستا رئاسة نادي بورتو، ووجّه حينها خطاباً عنيفاً ضدّ لشبونة، هدفه وضع استراتيجية مواجهة للسلطة المركزية في العاصمة. منذ ذلك الوقت، بات هدف بورتو الوحيد هزيمة بنفيكا ولا شيء غير ذلك. هذا الأمر تحقّق بعد أن فرض بورتو هيمنته على كرة القدم البرتغالية، على حساب بنفيكا الذي كان صاحب الهيمنة في الأربعينيات. ويعتبر بورتو الفريق الأكثر نجاحاً في البرتغال بعد ثورة نسيان/أبريل عام 1974، كما أنه يعتبر النادي البرتغالي الأكثر نجاحاً من حيث الألقاب القارية. إذاً النجاحات موزعة بين الفريقين على فترات زمنية، مع تفوق بشكل عام لبنفيكا.
وكما كل الدوريات في العالم، يشهد سوق الانتقالات حركة ينتقل إثرها لاعبون بين الأندية المتنافسة، وهو الأمر الذي يخلق الكثير من الجدل وحتى «البلبلة»، ولكن سرعان ما تنتهي الخلافات وتعود الأمور إلى نصابها. ولكن في البرتغال الأمر مختلف، إذ إن اللاعب المنتقل من بورتو إلى بنفيكا أو العكس، يصبح خائناً كبيراً بنظر الجماهير، أكثر من أي بلد آخر. الأمثلة على ذلك كثيرة، فشكّل انتقال أحد أفضل المهاجمين البرتغاليين لويس أغاس، ابن اسطورة بنفيكا خوسيه أغاس، من بنفيكا إلى بورتو، خير دليل على تجسيد مدى الحساسية بين الفريقين، حيث لا يزال اللاعب يعتبر خائناً إلى الآن، على الرغم من اعتزاله اللعب منذ سنوات طويلة. أعاد اللاعب سبب الانتقال حينها إلى الجوانب المادية، على الرغم من أنه كان عاشقاً لنادي بنفيكا، ولكن عرض بورتو حينها شكل 11 ضعفاً لراتبه مع نادي النسور في العاصمة، وبالتالي فهو عرض لا يُرد. تأمّل اللاعب أن تنسى جماهير العاصمة البرتغالية ما حدث وأسباب انتقاله إلى بورتو، خاصة أنه عاد ولعب في صفوف بنفيكا بعد فترته في بورتو، وخاض أحد أفضل مواسمه مع فريق العاصمة حينها، إلا أن الجماهير لم تسامح، ولم تغفر له انتقاله إلى بورتو. هذه هي عقلية الجمهور.
العلاقة المتوترة بين قطبَي الكرة البرتغالية انعكست تاريخياً بشكل سلبي على المنتخب الأول للبلاد، على اعتبار أن المشاحنات المستمرة بين لاعبي الفريقين، وقفت عائقاً أمام تألّقهم مع المنتخب، ورفع اسم بلادهم في المحافل الدولية. كانت الكراهية كبيرة بين الفريقين، لدرجة أن لاعبي بنفيكا كانوا يجلسون في مقدمة حافلة المنتخب، بينما يجلس لاعبو نادي بورتو على المقاعد الخلفية للحافلة، ويشكل لاعبو نادي سبورتينغ لشبونة فاصلاً بينهم، حيث يجلسون على المقاعد الموجودة في وسط الحافلة. على مدى سنوات لم يتشارك لاعبو الفريقين طاولة الطعام مطلقاً خلال معسكرات المنتخب، أو البطولات الرسمية. أسباب كثيرة أوصلت حجم الكراهية بين الفريقين إلى هذا الحد، منها المنافسة على الألقاب المحلية والأوروبية، ومنها يعود إلى التمييز المناطقي، حيث يعتقد سكان بورتو أن جماهير بنفيكا تتمتع بامتيازات عن باقي المناطق البرتغالية، كونهم من سكان العاصمة. كل هذه الأمور تجعل الكلاسيكو معركة تعدّت نطاق الملعب أو الـ22 لاعباً، لتشكل حرباً باردة بين مدينتين تقمصتا فريقي كرة قدم.