في وسط مدينة مرسيليا الواقعة في الجنوب الفرنسي على شواطئ البحر المتوسط، ترتفع كاتدرائية نوتردام. الكاتدرائية المشرفة على واحدة من أبرز المدن الذي استقبلت المهاجرين من أفريقيا. المهاجرون الذين صنعوا الكثير من مجد فرنسا، في كرة القدم أيضاً. ميناؤها القديم شاهد على كل تلك القصص. في هذه المدينة إرث كروي كبير، هنا ولد زين الدين زيدان، الإفواري ديديه دروغبا أمتع جماهير «المدينة المتمرّدة»، في شوارعها الضيّقة رُفعت كأس التشامبيونز ليغ للمرّة الأولى والأخيرة على الأراضي الفرنسيّة. مارسيليا لا تشبه إلّا نفسها، ولمشجّيعها مع كرة القدم حكايات كثيرة، وأحلام بعودة الأمجاد.

على مدى السنوات كانت جماهير ناديي لانس وسانت إتيان تعتبر الأكثر شغفاً بكرة القدم في فرنسا، ولكن «الجنون» لا يوجد إلّا في مدينة مارسيليا، وتحديداً في ملعب الـ«فيلودروم»، معقل نادي الجنوب الفرنسي. النادي الذي يمتلك أكبر قاعدة جماهيريّة في فرنسا، وأكبر قاعدة تساند النادي خارج أسوار مدينته. عالم الاجتماع المتخصص في دراسة الجمهور لودوفيك ليسترلان يؤكّد أن نادي مارسيليا «يحافظ على رابط إسمنتي في مدينة يبرُز فيها نَقص في المساواة، وترتفع فيها الفوارق الاجتماعيّة والإقليمية». يعبّر عالم الاجتماع الفرنسي صراحةً عن دهشته بجماهير نادي مارسيليا. يقول إن ملعب فيلوردوم هو «مكان فريد من نوعه»، ونادي مرسيليا «مساحة مشتركة بين الأشد فقراً في المدينة والمحامي الذي يعيش في الدائرة الثامنة». يلتف أبناء المدينة حول ناديهم. لا مشجعين لباريس سان جيرمان في مدينة الجنوب: الجميع يكره نادي العاصمة، النادي الذي صُنع بالمال برأيهم ورأي الكثيرين، بينما هم صَنعوا ناديهم بالأهازيج، بحناجرهم التي دعمت اللاعبين ولا تزال. معروف عن مشجعي مارسيليا أنّهم يؤلفون أغنية لكل لاعب يوقّع مع ناديهم من موسمه الأوّل. يتفاخر أبناء مارسيليا وسانت إتيان أنهم حملوا لقب الدوري أكثر من باريس سان جيرمان، ذلك النادي «المتعجرف» كما يراه مشجعو باقي الأندية في فرنسا. يؤكد أبناء مدينة الجنوب أن كرة القدم الحقيقيّة هي عندهم، فهم الوحيدون الذين احتفلوا بدوري أبطال أوروبا، عندما حققوه في عام 1993 على حساب العملاق ميلان الإيطالي. يقول المشجعون هناك إن حب مارسيليا ينتقل من جيل إلى جيل. ينتقل من الأب إلى الابن بدون تردد، الجميع شاهد نهائي 1993، ونهضة عام 1971 عندما عاد مارسيليا إلى طريق البطولات بعد غياب سنوات. تنقسم المدينة بين الفقراء والأغنياء ولكنها تجتمع على حب النادي، تجتمع في الفيلودروم.

مارسيليا يحافظ على رابط إسمنتي في مدينة يبرُز فيها نَقص في المساواة


بين النادي والجماهير علاقة تاريخيّة، إذ تُعتَبَر جماهير مارسيليا المؤثر الأوّل على النادي وعلى الإدارة تحديداً. في إحدى المباريات ضد نادي العاصمة باريس سان جيرمان، منع الاتحاد الفرنسي جماهير نادي الجنوب من الدخول إلى ملعب الـ«بارك دي برينس» بداعي الشغب. وقفت إدارة مارسيليا إلى جانب جماهيرها، ولعب المدرب بتشكيلة احتياطيّة اعتراضاً على قرار الاتحاد. كان موقفاً نبيلاً بعيون المشجعين. الفترة الذهبية للنادي ولمشجعيه كانت في ثمانينيّات وتسعينيّات القرن الماضي، وتحديداً خلال فترة الرئيس التاريخي للنادي برنار تابي صانع أمجاد مارسيليا. في تلك الفترة كانت العلاقة بين الإدارة واللاعبين أكثر من رائعة، حتى أن تابي سمح لرابطة الجماهير ببيع بطاقات حضور المباريات والاستفادة من بعض الأرباح، وهي فكرة أرادها لتعزيز الثقة بين النادي وجماهيره. ساهم هذا التضامن في استقرار النادي وتحقيق الإنجازات. كرة القدم تطورت أو لنقل تغيّرت والعقلية الإدارية تغيّرت أيضاً. رحلت إدارات وجاءت أخرى وتراجع النادي بشكل كبير، حتى أن مارسيليا لم تعد جاذبة للنجوم.
كان ديديه دروغبا واحداً من أبرز النجوم في النادي في بداية الألفيّة الجديدة. كان المُلهم، ومع رحيله حصلت فجوة كبيرة، إذ لم تعد الجماهير تجد ملهمها في التشكيلة. يقول مؤرّخ نادي مارسيليا جيل كاستانيو إن المشجعين اليوم بحاجة إلى الملهم، ولكن هذا لم يحصل بعد. ربما فكّر ديميتري بايت بأن يكون الملهم والقدوة عندما اختار العودة من ويستهام يونايتد في الدوري الإنكليزي إلى مارسيليا، ولكنه لم ينجح حتى الآن بصنع الفارق. دروغبا كان وحشاً، وقبل مارسيل دوسايي. تغيّرت الأمور في الفيدلودروم منذ قدوم فنسان لابرون إلى رئاسة النادي في 2011، انقلب على الجمهور. أبعد العشاق عن اللاعبين فتغيّر وجه نادي مارسيليا. بات لقمة سائغة في فم خصومه ومنهم أبناء الجنوب (الأثرياء) كموناكو ونيس وغيرهما. حتى أن الأميركي فرانك ماكورت الذي جاء بعد لابرون وسيدة الأعمال مارغريتا لويس دريفوس لم يدرك أن المشكلة تكمن بعدم فهمه للمدينة قبل تشكيلة الفريق. فشل المالكون بتحديد الخلل الذي أدى إلى تراجع النادي، لم يدركوا أن النادي يشبه المدينة ويحبها، وأن الحل بتقريب الجمهور من ملعب الفيلودروم لتمتلئ المدرجات كما كانت، بأخذ رأي الجماهير في سوق الانتقالات. يجب أن يأتوا بلاعب يشبه المدينة وناسها. المشكلة في مارسيليا أن نفوذ المشجعين بات أقل. التأثير لم يعد كما كان، يقول أحد عشاق النادي لصحيفة «لا بروفانس» إن الحوار غائب بين الإدارة والمشجعين وهذا أمر سيئ. يؤكد أن الإدارة والنادي كانوا كياناً واحداً والحل لا يكون إلّا بإعادة التوازن للعلاقة بين النادي والجماهير، وإعادة بعض من الامتيازات التي كانت الجماهير تحصل عليها.
في 2017 عندما وجّه باتريس إيفرا ركلةً لأحد جماهير مارسيليا، اعترضت الإدارة على إيفرا وفصلته من النادي، كما لامت الجماهير على تصرفاتها. وهو الأمر الذي رفضته الجماهير كونها هي الضحيّة. حينها قال رئيس رابطة «يانكي نور مارسيليا» ميشال تونيني «قرار الإدارة خيّب آمال الجماهير. لدي انطباع أنه لم يعد ثمّة حاجة إلينا. كنا عبئاً ضرورياً، لكننا بتنا أشبه بفيروس. المطلوب منا أن نأتي وألا نفتح أفواهنا، إلا أن هذا أمر لا يمكننا القيام به. مرسيليا هو مرسيليا. الشغف الذي ننميه، بطريقة ذكية، نحاول ألا نُخضعه للهيمنة». يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن ايفرا تعرض لتصريح عنصري، كما قال، وهذا ما أثار غضبه. يمكن «تفهم» الجماهير ككتلة واحدة، لكن لا يمكن، ولا يجب الدفاع عن أخطاء أفراد بداخلها دائماً. في مرسيليا نقطة القوّة في نادي الجنوب الفرنسي هو الجمهور، وشغف الجمهور وجنونه، والاهتمام بالمشجعين يعيدهم إلى المدرجات، ويعيد النادي إلى سكة البطولات، لأن دعم الجماهير في مارسيليا لا يقتصر على التشجيع، بل على المال الذي يقدمونه للنادي أيضاً من خلال تبرعات ونشاطات يعود ريعها لناديهم. جماهير مارسيليا عندما تغضب تشتم الإدارة وعندما تفرح وتغني للنادي واللاعبين، ولكن يبدو أن الإدارات الحديثة باتت تنزعج من الشتائم حتى لو كانت نتائج المباريات سلبيّة، ولو أدّت السياسات إلى إفلاس النادي.
في الموسم الماضي وصل نادي مارسيليا إلى نهائي الدوري الأوروبي «يوروبا ليغ». عاشت مارسيليا أجمل ليلة لها منذ سنوات. ولكن الحلم تحوّل إلى كابوس بعد الخسارة أمام أتليتيكو مدريد، وعدم تحقيق أفضل من المركز الرابع في الدوري الذي فاز فيه باريس سان جيرمان. هذا الموسم تتمنى الجماهير أن يحمل بوادر الخير، خاصة مع الإبقاء على ديميتري بايت داخل أسوار الفيلودروم، والحديث عن إمكانيّة التعاقد مع المهاجم الإيطالي ماريو بالوتيللي، حتى لو أن الأمر لم يحصل بعد. ولكن مجرد التفكير بهذا الأمر من قبل الإدارة، وكشفها عن نيتها دفع 10 ملايين يورو لضم بالوتيللي يترك انطباعاً جيّداً لدى الجماهير. إلى ذلك، وقع نادي الجنوب أيضاً مع المدافع الكرواتي دويي كاليتا كار (21 عاماً)، قادماً من ريد بول سالزبورغ حتى صيف عام 2023، بعد اجتيازه الفحوصات الطبية. بداية جيّدة لموسم تأمل جماهير مارسيليا أن يمحو خيبات السنوات الماضية. المدينة تنظر إلى البحر وتنتظر.