هو مشهدٌ قد يبدو سورياليّاً أوّل الأمر: خمس شجرات كينا، ثُبِّتَ على محيط كلٍّ منها خمسة أدراج معدنية في شكل طولي، فتحوَّلَتْ إلى رفوف مكتبة على «أوتوستراد المزة»!

السورياليّ أكثر، أن تتأمَّل بعض محتوى تلك المكتبة، فتجد «روايات عبير» إلى جانب كتاب «تصنيف العالمين لأمة خير المرسلين»، والمجموعة الكاملة لزكي الأرسوزي بالقرب من كتيِّب «قانون السير رقم 19 لعام 1973 وإضافاته»، وكتاب «علم السكان وقضايا التنمية» إلى جوار «الأساطير والخرافات عند العرب»، بينما دراسة «المجتمع الحديث في أبعاده الأساسية» تُحاذي «الخلاصة المرضية في السيرة النبوية».


يأتي كل ذلك في إطار «المكتبة التفاعلية» الثانية التي فتحت «أدراجها» للقُرَّاء تحت شعار «أعطني كتابك وخذ كتابي» على رصيف مدرسة «نهلة زيدان»، وأمام اللوحة المُدْرجة ضمن كتاب «غينيس» للأرقام القياسية، بوصفها أكبر جدارية مُصنَّعة من النفايات والمواد المعاد تدويرها.
فريق «إيقاع الحياة التطوعي» بإدارة موفق مخول، يهدف من وراء هذه الفعالية إلى زيادة تداول الكتب الورقية، بعد هجمة التكنولوجيا الشرسة، وتحقيق تبادل معرفي من خلال إعادة تدوير المكتبة الشخصية لكل قارئ. لكن أعضاء الفريق، رغم فكرتهم النبيلة، لم يضعوا في حسبانهم أن شاباً يتابع معاملة تأجيل التحاقه بالخدمة العسكرية في «شعبة التجنيد» المجاورة، أو مواطناً حصل على «الطابو الأخضر» من مديرية المصالح العقارية «بطلوع الروح»، لن يلتفتا إلى مكتبة لا توجد فيها آلة لتصوير المستندات ولا تبيع الطوابع.

أما العُشَّاق، في طريقهم إلى «حديقة الجلاء» وملاعبها، فسيكتبون ذكرياتهم على اللوحة الجدارية من دون أن يهتموا لمذكرات «أرنستو تشي غيفارا» في «يوميات بوليفيا»، ولن يلتفتوا إلى رهافة «يسوع ابن الإنسان» لجبران خليل جبران، فيما سينتبه آخرون فقط إلى جملة «خُذْ كتابي» من شعار الفعالية، مُستعيدين لصوصيتهم للكتب، بعدما قرأوا في يفاعتهم كتاب «الشاطر حسن» المركون على أحد رفوف المكتبة التفاعلية، فأصبحوا مثله تماماً.