في الثالث عشر من تشرين الأول 2019، نفّذ الحزب التقدمي الاشتراكي تظاهرة من وطى المصيطبة باتجاه وسط بيروت، احتجاجاً على «القمع الذي يُمارسه عهد الرئيس ميشال عون». كانت تظاهرة تؤسّس لتحرك سياسيّ مُناهض لعهد عون من قبل الحزب. لم يكُن في وارِد الاشتراكيين الإقدام على مثل هذه الخطوة من دون قرار مركزي من وليد جنبلاط. ولم يكُن جنبلاط ليُقدم عليها لو لم تكُن لديه بعض المعطيات أو المؤشرات بأن ثمة تحركات خارجية تهدف إلى تأليب الشارع اللبناني ضد السلطة والحكومة والتسوية مع حزب الله. التقط جنبلاط هذه الإشارات وانقضّ على «العهد»، مُستبقاً انتفاضة 17 تشرين، حتّى فيما بعد، بدأ الاشتراكيون يقولون إنهم «أساس الثورة وأصلها»!



انفجر الشارع. كان الاشتراكيون حاضرين بشكل بارز في عمليات قطع الطرقات، ولا سيما طريق الجبل والجنوب، ولو لم تأتِ الرسائل الحاسمة والحازمة بضرورة فتح الطريق، لما تراجع «البيك». هي لحظة ظنّها جنبلاط فرصة كفرصة العام 2005 أو 2007، تسمح بـ«الحماس» الذي يدفعه دوماً لارتكاب الأخطاء أو الرهانات الخاطئة. لحظة كانت بالنسبة إليه فرصة للتخلّص من «العهد المشؤوم» ومحاصرة حزب الله. غير أن الرأي الاشتراكي انقسم بين مؤيّد لـ«الثورة» ومندفع في اتجاهها، وبين مع اختار الواقعيّة معتبراً أن هذا التصعيد لن يخدم إلا حزب الله لأنّ الأخير هو القوة الأكثر تنظيماً وعدداً في حال وقوع الفوضى. وبين هذين الرأيين ضاع زعيم المختارة. دعا الرئيس سعد الحريري إلى تقديم استقالته أولاً. ثم حاول اقتناص الفرصة لركوب الموجة الاحتجاجية، مُطلقاً مواقف متناغمة مع مطالب الشارع، وقد أنساه الفصام السياسي أنه جزءٌ من السلطة المدانة، علماً بأن جزءاً من الشارع المنتفض كان يُحيّده لأن الهدف هو في مكان آخر.
سقطت حكومة الحريري بعد أيام من اندلاع الانتفاضة التي بدأ يخفت تحرّكها. أيقنَ جنبلاط أن هذا هو الحدّ المسموح به، وهذه هي القدرة الأميركية والخارجية في الفعل والتأثير على الساحة الداخلية. فبدأ بالتراجع والانكفاء مُعترفاً بالكثير من الأخطاء، ومعلناً عدم المشاركة في أي حكومة مقبلة، وفي الوقت نفسه اتخذ مواقف لا تستفز حزب الله، لأنه قرأ طالع التوازنات والأحجام.
انقلب موقف جنبلاط من الانتفاضة نهائيّاً بعد تمدّدها باتجاه المناطق الدرزيّة

وكعادته مارس الشيء ونقيضه، وصار جمهوره منقسماً، غارقاً في تناقضات متضاربة ومتعاكسة. تارةً يؤيّد في السياسة الانتفاضة ومطالبها، وتارة أخرى يعتدي على المنتفضين عندما يخرجون الى الساحات في بعقلين ودوّارها وعاليه. سريعاً، استعاد الجنبلاطيون مشهد اعتداء مرافقي الوزير السابق أكرم شهيب على المنتفضين في وسط بيروت، وإطلاقهم النار في الهواء، في ساعات الانتفاضة الأولى، وهو المشهد الذي زخّم التحركات الشعبية. ما قلب موقف جنبلاط من «الثورة» نهائياً هو تمدّدها باتجاه المناطق الدرزية ومناطق نفوذه، فكثرت اعتداءات مناصريه على «الثوار». وفيما بعد، تحوّلت مواقفه إلى عدائية تجاه الانتفاضة، معتبراً أنها وظّفت لاستهدافه واستهداف حلفائه، وموجّهاً الانتقادات لها بسبب ما وصفه بالصمت عن ممارسات رئيس الجمهورية.
وطوال عام من ذلك التاريخ، استمر التناقض في المواقف بين الذهاب الى التسوية السياسية والتصعيد ضد التسويات. فلا هو قادر على الفكاك من «مشنقة» الشارع، ولا الاحتفاظ بقدرة التنفيع والانتفاع من نظام مفلس. بكل بساطة، شكّلت انتفاضة تشرين لحظة إضافية للتعبير عن بداية تراجع النفوذ الجنبلاطي داخل «الهيكل»، فصار منتفضاً على «السلطة» والانتفاضة معاً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا