في نهاية عام 1998، تقرّر مصير الانسحاب من لبنان. أعلن المرشحان لرئاسة الوزراء في الحملة الانتخابية للكنيست عام 1999، إيهود باراك وبنيامين نتنياهو، أنهما سينسحبان من لبنان في غضون عام، سواء كان ذلك باتفاق أو من دونه. كانت رسالتا المرشحَين متشابهتين: الخروج من لبنان، وليكن ما سيكون.

السمة الرئيسية، التي بلغت ذروتها عام 1998، هي زيادة عدد ضحايا الجيش الإسرائيلي في لبنان إلى ما بين عشرين وخمسة وعشرين قتيلاً، سقط معظمهم جراء انفجار عبوات جانبية استهدفت دورياتهم. أدّى هذا الواقع إلى تأثير نفسي قوي، وزاد من تأثير الحركات الاحتجاجية في إسرائيل، مثل حركة «الأمهات الأربع».
ارتكبت إسرائيل خطأين رئيسيين (فشلين) خلال هذه الفترة. يتعلق الأول بمفهوم القيادة العملياتية الذي كان غير ذي صلة ولم يُجدِ نفعاً: محاولة تنفيذ عمليات خاصة ضد العدو من خلال المبادرة الهجومية. لكن عمليات كهذه، وكي تعطي نتائج فعلية، تتطلّب خوض معركة طويلة جداً، إضافة إلى استهلاك الجهد الاستخباراتي والعملياتي والقيادي وحرفه عن اتجاهات أخرى... لم تحقق هذه الاستراتيجية ما كان يُتوقع منها: ردع وتعطيل قدرات العدو. ورغم أن قوات لنا سقطت في هذه العمليات، إلا أنها لم تغير نمط عمل حزب الله.
في تلك الفترة، أخطأت إسرائيل أيضاً من الناحية التكنولوجية، ولم تؤمن رداً تقنياً في مواجهة العبوات الجانبية التي تسبّبت في سقوط معظم قتلانا من العسكريين في لبنان.

الفترة ما بين عام 1998 وعام 2000
كانت السمة الرئيسية للفترة ما بين عام 1998 وعام 2000، هي تغيير في التصور العملياتي للجيش الإسرائيلي، خاصة مع تولي غابي أشكنازي قيادة المنطقة الشمالية: التحول من العمليات الهجومية إلى ما يسمى بـ«الدفاع الهجومي»، ما يعني المزيد من الحماية في الخط الأمامي، وعمليات هجومية أقصر وأكثر إثارة للانطباع مع ما تتطلبه من ممارسات قتالية أقصر، إضافة إلى نشر المزيد من القوات على خط التماس، وملامسة القوات بما يزيد عن ذي قبل تهديد حزب الله... قلّصت هذه الاستراتيجية عدد قتلى الجيش الإسرائيلي، لكنها لم تؤثر في قرار الانسحاب الذي كان قد اتُّخذ بالفعل.
خطأ آخر وقع فيه الجيش الإسرائيلي في تلك الفترة، ويتعلق بتقييمه لقوة جيش لبنان الجنوبي، إضافة إلى خطأ المؤسسة السياسية في أنها بالغت في فاعلية عامل ردع إسرائيل لحزب الله.
اعتقد الكثيرون أن الانسحاب من لبنان سيخلق رادعاً نهائياً يؤدي إلى انسحاب الطرف الآخر والابتعاد عن شنّ عمليات ضد إسرائيل. كانت هذه سذاجة وقعت فيها المؤسسة السياسية. لدى صوغ خطة الانسحاب من لبنان، أخبرنا الجيش أن الردع لن يكون مطلقاً، لأنه لن يمنع حزب الله من إطلاق النار أو محاولة اتخاذ إجراءات ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي. مع ذلك، قدّرنا أن الساحة والميدان الجديدين سيشكلان معادلة ردع متبادل: سندفع الطرف الآخر للخوف من ردود أفعالنا والانزلاق إلى مواجهة تضرّ بنسيج الحياة المدنية اللبنانية. لكن في المقابل سيردعنا ذلك أيضاً نتيجة الخوف من انزلاق الصراع للإضرار بنسيج حياتنا المدنية.

* مقتطفات من كلمة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي عام 2000، الجنرال عاموس مالكا. ألقِيت الكلمة في مركز أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، بمناسبة مرور عقد على الانسحاب من لبنان