بعد قرابة 8 سنوات، انقلب المشهد السياسي والشعبي في طرابلس رأساً على عقب، ما أعطى مؤشراً أن ما بعد 17 و18 تشرين الأول 2019 لن يكون كما قبله في المدينة.

ففي 25 كانون الثاني 2011، احتشد مناصرو تيار المستقبل في ساحة عبد الحميد كرامي (ساحة النور) احتجاجاً على تكليف الرئيس نجيب ميقاتي بتأليف الحكومة على حساب الرئيس سعد الحريري، ما دفعهم حينها إلى إعلان «يوم الغضب» من «عاصمة السنّة»، قبل إشغال المدينة بجولات من الاشتباكات التي لم تهدأ إلا بعد استقالة حكومة ميقاتي.
في الساعات الـ48 الماضية تبدّلت الصورة تماماً، بعدما قام محتجّون بتمزيق صور الحريري وإحراقها، وكذلك إحراق صور والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري والأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري، بشكل لم يكن أعتى خصوم الحريري يتوقعه.
مشهد أول من أمس استكمل أمس في طرابلس، وتوسّع نطاقه، بعدما قام المحتجون بمحاصرة قصر ميقاتي في الميناء وتمزيق صوره، وهي المرة الثانية التي يُحاصر فيها قصره، بعد محاولة أولى جرت قبل أسبوعين، ما دفع القوى الأمنية إلى إقامة طوق أمني كبير في محيط القصر لمنع الإحتكاك. وقد شملت الإجراءات أيضاً محيط منازل النواب والمقار الحزبية، لكن ذلك لم يحل دون دخول محتجين مكتب التيار الوطني الحر في شارع الجميزات وتكسير محتوياته، كما سبق أن أحرقوا راية التيار البرتقالي في وسط الساحة، على وقع هتافات وشتائم بحق الوزير جبران باسيل، في حين قام آخرون بتحطيم محتويات مكتب النائب علي درويش في محلة جبل محسن، كما عمد البعض إلى تمزيق صورة للنائب فيصل كرامي.
أمس، ومنذ ساعات الصباح، كان المحتجون يصلون تباعاً إلى ساحة كرامي (النور)، حيث أغلقوا منافذ الساحة كافة، بينما كانت شاحنات صغيرة تنقل إطارات سيارات مستعملة إلى الساحة، تمهيداً لإشعالها. وهو أمر لم يطل انتظاره كثيراً، إذ سرعان ما ارتفعت أعمدة الدخان الأسود في سماء المدينة، ما تسبّب في شل الحركة في طرابلس بشكل كامل.

أوقف الجيش عدداً من مرافقي الأحدب المشتبه في إطلاقهم النار على المتظاهرين


هتافات التنديد بالسياسيين طالت الجميع، لكن القسم الأكبر منها طال الحريري وميقاتي تحديداً، اللذين اتُّهِما بالتخلي عن المدينة وفقرائها.
اللافت في تحرّك أمس أن أحداً من القوى السياسية لم يتبنّه، كما لم يُرفع فيه شعار أي حزب أو تيار سياسي، وأن أغلب المطالب التي رفعها المحتجون لم تكن سياسية، بل تتمثل في تأمين فرص العمل ولقمة العيش والطبابة والتعليم في المدينة الأفقر في لبنان.
التحرّك الاحتجاجي في طرابلس لم يمر بشكل سلمي، ففي حين غاب نواب المدينة والقوى والأحزاب السياسية عن تحرّك الشارع فيها، باستثناء تأييد تلقّوه من النائب فيصل كرامي الذي دعا مناصريه للنزول إلى الشارع ومشاركة المعتصمين تحركهم، سقط عدد من الجرحى، كان من بينهم حالات حرجة، نتيجة إشكال بين مرافقي النائب السابق مصباح الأحدب الذين أطلقوا النار على محتجين بعد رفضهم إلقاءه كلمة في الاعتصام «كي لا يستغل هو أو غيره التحرك لغاياتهم السياسية»، وفق قول أحد المحتجين.
هذا الإشكال دفع المحتجين إلى التوجه نحو «كاراج الأحدب للنقليات» في ساحة التل المجاورة، الذي يملكه الأحدب، حيث قاموا بنزع لافتته وتكسير محتوياته وإحراقه. كما توجهوا إلى منزله في محلة المعرض، لكن الجيش اتخذ إجراءات أمنية حالت بينهم وبين هدفهم. وأوقف الجيش عدداً من مرافقي الأحدب المشتبه في إطلاقهم النار على المتظاهرين.
ومساءً، اقتحم محتجون محل «باتشي» للشوكولا الكائن في شارع الجميزات القريب من ساحة كرامي (النور)، الذي يملكه وزير الاتصالات محمد شقير وأفراد من عائلته، وقاموا بتكسير واجهته ونهب محتوياته.