المسافة بين حارة حريك ومعراب هي الأبعَد سياسياً. مُناسبة الكلام، الأجواء التي يُحاول البعض تحميلها أكثَر ممّا تحتمِل. وصلت مخيّلة البعض سياسياً حدّ تصور «تطبيع العلاقة الثنائية» بين الحزبين. غير أن الوقائع تتحدث عن نفسها. إشارات «إيجابية» حدودها رؤية الحكومة المقبلة. المنحى الإيجابي العام قد يتخذ شكل تعاون في محطات مقبلة أبرزها: محاربة الفساد. هذا التلاقي، لا يُمكنه أن يخرج عن حدوده هذه. خلافاً لما يُقال عن أن حزب الله يدعم القوات اللبنانية في مطالبها الوزارية، أو أنه لا يعارض تسليمها حقيبة سيادية. لن يخوض حزب الله معركة الحقائب والحصص القواتية وتحديداً في مواجهة العماد ميشال عون أو التيار الوطني الحرّ. ببساطة، لا يريد الحزب أن يُقحِم نفسه في معركة بين طرفين مسيحيين، مع تأكيد رفضه إقصاء أي طرف عن الحكومة. هذه النقطة تحديداً، لا تحمِل بالضرورة، دعماً لفريق سياسي معين، بِقدر ما تُعبّر عن رؤية بعيدة، لا سيما في ما خصّ القوات اللبنانية.

في هذه النقطة تحديداً، يلتقي حزب الله والرئيس نبيه بري عند رفض عزل القوات أو أي مكون آخر، «فإذا كانت القوات في مرحلة تفاهمها مع التيار الحر قد أتت بكتلة من 15 وزيراً، حتما ستصل إلى المجلس بكتلة من 30 نائباً بعد أربع سنوات إذا تم عزلها في الحكومة أو غيرها».
المعركة في الساحة المسيحية مُستمرة، لكن بفارق أن حزب الله وحركة أمل قررا أن يكونا على الحياد في معركة التوزير. في معركة الرئاسة، وقف الحزب كما لم يقف أحد مع عون. لطالما كانت القوات خصماً استراتيجياً. وقفَ الحزب سداً منيعاً في وجه كل الذين استهدفوا جبران باسيل وعارضوا توزيره في زمن حكومتي فؤاد السنيورة وسعد الحريري (الأولى). لكن الظروف تبدلّت الآن.
من الواضح أن حزب الله يتخذ أسلوباً مغايراً في تعاطيه مع ملف الحكومة، على قاعدة «كل واحد يقبّع شوكو بإيدو». هو، أولاً، أعلن ضمناً أنه غير معني بأي اتفاقات جانبية، حين طالب أمينه العام السيّد حسن نصرلله بوضع معيار واضح للتمثيل الحزبي والسياسي في الحكومة استناداً إلى نتائج الانتخابات النيابية. وثانياً، ترك لعون (ومعه التيار الحر) أن يواجه بالتنسيق مع رئيس الحكومة المكلف معركة تحديد أحجام بقية القوى المسيحية في الحكومة، علماً أنه لم تصدر عن حزب الله أية إشارة بوضع فيتو على تولّي وزير قواتي منصب نائب رئيس الحكومة، أو أي حقيبة سيادية، على قاعدة أن هذا الأمر من اختصاص رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف.
وليس خافياً على أحد أنه سبق لحزب الله أن سجل تحفظات على أداء الوزير جبران باسيل «في المرحلة الماضية»، والمقصود منها مرحلة الانتخابات النيابية. برأي أحد المتابعين للملف أن حزب الله «يريد للحكومة أن تتألف بأسرع وقت ممكن»، ولكنه لن يقيم الدنيا ويقعدها لأجل ما يعتقد أن فيه مصلحة للجميع». ثمة استنتاج بأن السقوف العالية التي رسمها باسيل حكومياً «وضعته في مواجهة كل الأطراف، وبالتالي، ليست في مصلحة العهد والبلد». يقول المتابعون إن رئيس مجلس النواب نبيه برّي وخلال لقائه أخيراً بالسيد نصرلله، ذكّره بموقف الإمام السيد موسى الصدر من عزل الكتائب اللبنانية لأن «مثل هذه السياسة سوف تقوّيها». تنسحب وجهة النظر هذه على القوات اللبنانية أيضاً.
وفي المعلومات، أنه في عزّ العلاقة بين عون وبرّي، وبعد الغداء الذي جمعهما في بعبدا، غداة الانتخابات النيابية، حاول عون جسّ نبض «الثنائي الشيعي» حول إمكان تشكيل حكومة جديدة من دون القوات اللبنانية، فكانت النتيجة إلتقاء حركة أمل وحزب الله على رفض فكرة العزل. من الواضح أن هذ الاستطلاع العوني يأتي في سياق إعادة نظر بكل مردود تفاهم معراب والفائدة التي جناها العونيون منه، من دون التقليل من مسألة رئاسة الجمهورية.

هل حاول عون جسّ نبض «الثنائي» حول إمكان تشكيل حكومة جديدة من دون القوات اللبنانية؟


في ما خصّ القوات، تبدو الأخيرة أكثر واقعية في مقاربتها للأمور. تدرك جيداً أن وصول سمير جعجع الى سدّة الرئاسة أسهل من عقد تفاهم مع حزب الله شبيه بتحالف مار مخايل. واقعيتها هذه تجعلها تقرأ المعطيات من منظار أن حزب الله «لا يدعمنا لكنه ينأى بنفسه عن معارك المسيحيين السياسية». تقارن شخصية قواتية بين مفاوضات تأليف حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى في عهد عون، وبين المفاوضات الجارية حالياً. تسجّل في هذا الصدد «أن المشاورات تجرى هذه المرة على وقع مناخ من التهدئة فرض إيقاعه حزب الله بالدرجة الأولى. بينما في الماضي كان هناك رفض لتسلّم القوات حقيبة سيادية، هذا لا يعني عدم وجود قرار ضمني من هذا النوع مجدداً، لكننا لم نلمس شيئاً من هذا القبيل حتى الآن». كما تسجل للحزب نأيه بنفسه عن معركة التوزير المسيحي «وجعلها حصرية بين المكونات المسيحية».
سردية القوات يقابلها كلام بارد من حزب الله. «علاقتنا مع القوات ستكون في المرحلة المقبلة كما كانت في الماضي وكما هي في الحاضر». هناك قرار «بحصر التعاطي بين الطرفين على مستوى المؤسسات»، أي «علاقة بين الوزراء والنواب، ليسَ إلا». ومع أن «بعض حلفائنا - والمقصود تيار المردة - قرر أن يفتح مع معراب خطوط تواصل، لكننا لم نفعل. حتّى أننا رفضنا التحالف الانتخابي في أية دائرة، وقلنا حيث تكون القوات لا نكون». هذا خيار في السياسة وأسباب حزب الله كثيرة (سياسياً وفكرياً وثقافياً) «ولم ولا يبدو أنها ستتبدل».
أن لا يقف حزب الله مع العونيين في معركتهم الحكومية، لا يعني أنه تبدل. الظروف تبدلت بعد وصول العماد عون إلى بعبدا. «فالتيار الوطني بات اليوم أقوى ممّا مضى. هو من يدير المفاوضات بالشراكة مع رئيس الجمهورية، ولا يحتاج أحداً يدافع عنه». الأمر نفسه يسري على ما يُشاع بأن الحزب رفع الفيتو الحكومي عن القوات «فنحن لم نرفض ولا مرّة بأن يتسلموا أي حقيبة. والدليل أن القوات حصلت على حقيبة العدل سابقاً، كما أنها تحتل في حكومة تصريف الأعمال منصب نائب رئيس الحكومة. أصلاً لم يسألنا أحد عن رأينا في الموضوع لا سلباً ولا إيجاباً. مع تفضيلنا أن يتسلّم هذه المواقع وزراء من حلفائنا وفي مقدمهم التيار الوطني الحرّ». بكل الأحوال «لا نرى أنفسنا مجبرين على إطلاق موقف من معركة لسنا طرفاً فيها».