يكفي أن تُصبح نائباً، لدورة واحدة، لتظلّ تتقاضى نسبة 55 في المئة مِن راتبك مدى الحياة. يُمكنك أن تموت، لا سمح الله، فتتقاضى عائلتك بعدك تلك النسبة نفسها شهريّاً. إن حصل وخدمت لدورتين نيابيتين، وهذه حالة مألوفة، تُصبح النسبة التي تحصل عليها مِن راتبك الأبدي 65 في المئة. أمّا في حالة الخدمة لدورات ثلاث، أو أكثر، فهنا ترتفع النسبة إلى 75 في المئة، والأمر نفسه، في كلّ الحالات، ينسحب على العائلة.


كلّ هذه التفاصيل، وغيرها، ترد في القانون رقم 25 (الصادر عام 1974) وتعديلاته، الذي يُسمّي عمل النائب «خدمة». النائب خدوم. هكذا، بالضرورة. هو خدوم، وإن لم يفعل شيئاً، وإن لم يحضر جلسة نيابيّة واحدة على مدى أربع سنوات مثلاً (هذا حصل ويحصل).
الآن، أولئك النوّاب الذين أصبحوا نوّاباً، للمرّة الأولى، في انتخابات عام 2009 (الأخيرة)، والذين استمرّت «خدمتهم» مدّة تسع سنوات بدل أربع، بفعل التمديدات المتتالية، هل يُحسَب أنّهم قضوا ولاية واحدة أم ولايتين أم أكثر؟ نسأل أحد هؤلاء عن هذا الأمر، في اتصال هاتفي، فيجيب: «أكيد أكثر مِن ولاية، أعتقد ولايتين». نُخبره أنّ الرأي القانوني، بحسب مختصّين، وبحسب نصوص قوانين التمديد نفسها، لا تفيد ذلك. يُعقّب: «لا، شو عم تحكي، ما «تدبرسني» هلق، خلينا نتأكّد مِن الموضوع». هو مِن الذين لن يُرشَّحوا للانتخابات النيابيّة المقبلة. على الأرجح أنّ تلك السنوات التسع ستكون كلّ نصيبه مِن عمله نائباً. أستاذ القانون الإداري والدستوري في الجامعة اللبنانيّة، عصام إسماعيل، يجزم بأنّ «خدمة» السنوات التسع الماضية، التي شهدت تمديدات ثلاثة، هي عبارة عن ولاية نيابيّة واحدة. شاهده على ذلك «أن رئيس مجلس النوّاب لم ينتخبه النوّاب بعد كلّ تمديد، وبالتالي هذه إشارة قانونيّة كافية». فضلاً عن ذلك، إنّ نص المادّة الوحيدة في قانون التمديد، الصادر عام 2013، تقول: «تنتهي مدّة ولاية مجلس النوّاب الحالي بصورة استثنائيّة بتاريخ 20 تشرين الثاني 2014». إذاً، هي مدّة «ولاية مجلس النوّاب الحالي». هي ولاية واحدة، لكن جرى «مطّها». أمّا نصّ المادّة الوحيدة في قانون التمديد الثاني، الصادر عام 2014، فتقول: «تنتهي ولاية مجلس النوّاب الحالي بتاريخ 20 حزيران 2017». كذلك جاء في نصّ تمديد عام 2017. فات نقولا فتّوش، النائب لأكثر مِن ثلاث دورات، أن يقف على خاطر زملائه الجُدد أثناء إعداده قوانين التمديد.
كم يتقاضى النائب شهريّاً؟ هو ليس عميلاً سريّاً للدولة، ولا ضابط استخبارات، وبالتالي يُفترض أن يكون راتبه علنيّاً، معروفاً، لكن مع ذلك لو سألت كلّ نائب هذا السؤال على انفراد فإنّك لن تسمع جواباً واحداً. أحدهم يقول نحو 12 مليون ليرة لبنانيّة. آخر يقول 10 ملايين و700 ألف ليرة. ثالث يقول 10 ملايين و911 ألف ليرة (هذا الأخير أحب أن يكون دقيقاً جدّاً). عموماً، الجواب الأوّل هو الأقرب إلى الواقع (بحسب جداول وزارة الماليّة). بالتأكيد، النوّاب لا يتقاضون الحدّ الأدنى للأجور. هم (عبر مجلس الوزراء الذي يمنحونه ثقتهم وفوّضوا إليه قبل أكثر من 30 عاماً أمر الأجور) يُحدّدون هذا الحدّ للعمّال، لكن لا يتقاضونه. هم، في لبنان، يتقاضون الراتب الشهري الأكثر أضعافاً للحد الأدنى للأجور على مستوى العالم (بحسب بحث «الدوليّة للمعلومات» المُجرى عام 2013). هذه ميزة لبنانيّة أخرى.


الولاية الممدّدة تُعدّ ولاية واحدة، لا ولايتان، ولا يترتّب عنها تعديل في «الراتب التقاعدي»

ثمّة ما هو طريف في تقسيم راتب النائب اللبناني، الذي يأتي تحت عناوين مخصصات وتعويضات، إذ يشمل مثلاً عنوان «تعويض سيّارة» وكذلك «تعويض سائق وأمين سر». هناك أيضاً «تعويض تشريفات». هذه بدل القهوة والبارد والمكسّرات والذي منه. أمّا الأكثر طرافة في تفصيل هذا الراتب، فهو عنوان: «تعويض التمثيل». يقصدون هنا أنّه يُمثّل ناخبيه، أو ربّما، بالمعنى الدستوري الأدق، هو يُمثّل «الأمّة». أيّاً يكن، هو يتقاضى نحو مليوني ليرة بدل تمثيل. لكن أليس هو هنا ليكون نائباً، أصلاً، وبالتالي يُمثّل الناس! كأنّه ينحت الصخر، في الأساس، ولكن مِن حين إلى آخر يأتي إلى مجلس النواب لكي «يُمثّل» الناس! هل هذا كلّ شيء؟ كلّا. منذ سنوات بعيدة يُقال إنّ النائب، كلّ نائب، «يحصل» على 100 مليون ليرة سنوياً مِن وزارة الأشغال (بدل تزفيت وأشغال وخدمات وما شاكل). هذه لها حكاية معقّدة. فهذا المبلغ لا يُدفع للنائب، بل تضع وزارة الأشغال في تصرف «صاحب السعادة»، مشاريع بهذه القيمة، لتنفّذها في دائرته.
هناك شائعة أفادت، أخيراً، بأنّ رواتب النوّاب زادت مع إقرار قانون سلسلة الرتب والرواتب. النائب غسّان مخيبر ينفي ذلك. لكنّه لا ينفي، مِن حيث المبدأ، المبالغ التي تحوّل باسم النائب مِن وزارة الأشغال، فيقول: «هذه غير ثابتة، لكن تأتي عرفاً بطلب مِن النواب للقيام بأشغال صغيرة، تزفيت طرقات مثلاً، ولكن هناك استنساب لدى وزارة الأشغال في هذه المبالغ، إضافة إلى أنّ المسألة تختلف باختلاف العلاقات الشخصيّة». أمّا النائب محمد قباني، الذي لن يترشّح للنيابة مُجدّداً، فينفي وصول أموال مِن وزارة الأشغال باسمه كنائب حالياً. يقول: «هذه توقفت، لكنّها كانت سابقاً بالفعل، بل كان قدرها 100 ألف دولار. عندما سألنا عن سبب توقفها في مرحلة سابقة، اكتشفنا أن وزير الأشغال السابق غازي العريضي كان يصرفها على مشاريعه». يحصل النائب على بطاقة سفر مجانيّة، لمرتين في السنة، على حساب «الميدل إيست» (الطيران الوطني). هناك رويات تتحدّث عن نصف ثمن بطاقة على الدرجة السياحيّة (وفي بعض الروايات قيل أكثر). يحقّ للنائب أن يُدخل سيارة واحدة على اسمه، في كلّ دورة انتخابيّة، مِن غير أن يدفع رسومها الجمركية. يقول النائب قباني: «السنوات التسع الماضية تُعَدّ ولاية واحدة، كما أرى، لأنّهم لم يسمحوا لنا إلا بسيارة واحدة». النائب لا يدفع رسم ميكانيك سنوي لسيّارته أيضاً. النائب ليس مواطناً! ربّما هو كائن فضائي، وهذا هو التفسير الوحيد الذي يتيح لنا فهم موضوع المساواة في الدستور (الفقرة «ج» مِن مقدمة الدستور: المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل). للنائب وعائلته تأمين صحي (بمواصفات عالية) عبر شركات خاصّة. لديه «عسكر» مرافقة. النيابة، في مكان ما، هي وجاهة أيضاً. تطول اللائحة. يختصرها النائب قباني: «صدّقني، أصحاب الأموال يلي راكضين للوصول إلى النيابة مش غايتهم المال. كتار منهم بيقدروا يحصلوا على أموال أكثر خارج مجلس النواب، ولكن إحسِبها مِن ناحية الحصانة يلي بيحصلوا عليها، ومِن ناحية توفير غطاء لكسب الأموال مِن طرق أخرى، وأشياء أخرى، هونيك الحسابات الكبيرة».