للمرة الثانية منذ بدء التداعيات اللبنانية للمنعطف الإقليمي الكبير في اجتياح العراق عام 2003، تسقُط الرهانات السورية لقوى لبنانية، وتضعها مجدداً في عنق المأزق.

في المرة الأولى، توّج تداخلُ منظومة الفساد والهيمنة اللبنانية ــــ السورية في لعبة «روليت» قاتلة لم تُفك إلا بانفجار دموي لهذه المنظومة، على وقع اندفاعة أميركا لفرض شروط لعبتها في الشرق الأوسط.

وراهن فريقٌ سياسي كامل على سقوط النظام في سوريا بسحب تركيبة خدام ــــ كنعان ــــ الشهابي، وبضغطٍ غربي متواصل. لكن الرهانات القاتلة انتهت في شكلٍ درامي، أولاً في حرب تموز، وبتقرير بايكر – هاميلتون العراقي 2008، ومن ثم بزيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لدمشق بعد انتخابات 2009، استناداً إلى تسوية س – س الشهيرة بين الرياض ودمشق.
في المرةِ الثانية، الرهان كان أكثر إغراءً... فالإنتفاضة في سوريا التي تحولت إلى حالة معسكرة يقودها الجهاديون التكفيريون، أوحتْ بنصرٍ سريع يؤدي إلى إعادة رسم المعادلات في الداخل اللبناني، وإلى الضغط على حزب الله وأسره في واقع صعب. لكن، مجدداً، فشلت حسابات المراهنين، وتبخّرت أوهام الحسم لتحل محلها حال إنكار لتداعيات الواقع الجديد: تمدد سيطرة الجيش السوري حتى الشرق، كسر شوكة الإرهاب التكفيري، تسارع المصالحات برعاية العين الروسية الساهرة، التطبيع، أقله «الكلامي»، بين الدول الغربية ودمشق.
في المقابل، وفي المرتين، كان ميشال عون يثبّت أقدامه على صلابة الرؤية الإستراتيجية في إدراك كامل أبعاد المشهد الإقليمي والتغيرات في النظام الدولي. منذ 21 تشرين الثاني 2004 في قصر المؤتمرات في باريس، وقف الرئيس ليؤكد «أننا لا نريد سحب الدبابة السورية لنأتي بالدبابة الأميركية»، محيّداً البعد السيادي الوطني من محاولة استغلاله في لعبة تصفيةِ حساباتٍ بين أميركا جورج بوش وفرنسا جاك شيراك، ودمشق الراسخة في لعبة الجغرافيا.
ومنذ بدايات الحرب، أكد الرئيس أنَّ هذا الصراع الدامي والمركّب لن يُسقِط الدولة السورية، لأنه مرآة لإعادة رسم معالم النظام الدولي الجديد، بعودة روسيا القوية إلى الساحة، وبصعود قوى ناشئة تتحدى السيطرة الأميركية، محذراً في شكلٍ مبكر من الإرهاب التكفيري وتهديده لتنوّع المجتمعات المشرقية.
نحن إذاً، اليوم، أمام إشكالية خيارات القوى التي سقطت رهاناتها، بين مواصلة دفن رأسها في الرمال، وبين التحلي بالواقعية ومحاولة استكشاف الفرص المتاحة.
خصائص السقوط الثاني لرهاناتٍ لبنانية، هو توفر فرص أكبر لتسوية تؤمّن مصالح لبنان ومخارج أوسع، نتيجةً للمتغيرات الكثيرة. فالرئيس عون الذي يتحالف معه سعد الحريري ويطمئنّ إليه، هو في العام 2017 مختلف عن العماد عون المتخاصم مع كل منظومة تيار المستقبل، ما يوفّر المظلة السياسية اللازمة لصنع علاقةٍ طبيعية مع سوريا، خدمة لمصالح لبنان.
المتغير الأكبر، هو حجم كعكة المشاركة في إعادة إعمار سوريا، وهي كعكة تثير لعاب الكثيرين من منظومة المصالح المالية والإقتصادية اللبنانية. وهذه الكعكة، يُفترض أن تشكِّل النافذة الأكبر لهروب بعض القوى السياسية من ماضي الرهانات والحسابات الخاطئة، إلى الربح في السياسة وتحقيق المكاسب. ففي لعبة المصالح الإقتصادية، تُنتسى كل العداوات والثارات.
وهذا المشهد، من شأنه أنْ يسهِم في إبعاد البلد عن المواجهات وشلل النظام لما يمثِّلُه من قاعدة الربح المتبادل Win- win situation، وأن يجعل الواقعية ضوءاً للخروج من الماضي ولقراءة جيدة للتحولات، ولو مع محاولات حفظ الوجه أمام الجمهور. أما من يحاول التشبث بلغةٍ خشبية وبالقراءة الماضوية، فسيبقى أسير سياساتٍ فاشلة لم تؤدِ إلا إلى الهاوية.
* صحافي وباحث سياسي