غزة، عمان | لا تمضي اللقاءات الأميركية في المنطقة من دون حديث «جوهري» عن إنهاء القضية الفلسطينية. صحيح أن الدوحة كانت أول المعترفين بأن اللقاءات مع جاريد كوشنير وجيسون غرينبلات استهدفت «تحسين الوضع في غزة»، لكن ما حدث في كلّ من عمان والقاهرة أخطر من ذلك، فضلاً عما هو مخفي في الرياض. الآن، بعد نحو شهرين، بدأ التطبيق للخطوات اللاحقة بعد نقل السفارة: إفلاس «الأونروا» تمهيداً لإغلاقها، وبدء توطين اللاجئين.

تواصل الولايات المتحدة الأميركية تطبيق «صفقة القرن» بنداً بنداً، بعدما منحت نفسها المرونة اللازمة بإخفاء بنود الصفقة وإظهار ما يلزم في مرحلته، فضلاً عن قياسها ردود الفعل بعد كل خطوة. فبينما كانت الإدارة الأميركية تكشف بوضوح قرارها وقف المساعدة المالية المقدمة منها إلى «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا) نهائياً، كانت ترتب لتبعات ذلك، وخاصة في المناطق «الهادئة»، مثل الأردن والضفة ومصر، وذلك لإنهاء مبدأ المطالبة بعودة الفلسطينيين إلى أراضيهم، عبر إيجاد حل نهائي لهم في أماكن وجودهم، فيما تبقى غزة وسوريا ولبنان إلى مرحلة لاحقة.
مصادر فلسطينية سياسية كشفت لـ«الأخبار» أن «معلومات مؤكدة وصلت الى حركة حماس تفيد بمساعٍ للإدارة الأميركية مع عدد من الدول العربية، وخاصة الأردن ومصر، على مبدأ التسهيلات الاقتصادية مقابل قبول هاتين الدولتين اللتين تعانيان أزمات خانقة لإنهاء ملف اللاجئين»، في وقت تتقاطع فيه التقارير الإسرائيلية مع هذا المضمون، بإشارتها إلى أن واشنطن ستسمح لدول الخليج بتقديم تمويل إلى «الأونروا» هذا العام بشروط؛ منها الموافقة على إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، والتقليص المتتابع، وصولاً إلى إنهاء الوكالة (راجع الموضوع المقابل في العدد نفسه).
تقول المصادر إن لقاءات أجريت بين مسؤولين أردنيين وآخرين في الإدارة الأميركية خلال الأسابيع الماضية عُرض فيها على عمان «توطين من تبقى من اللاجئين الفلسطينيين غير المجنسين في المملكة ومنحهم الجنسية الأردنية من الدرجة الأولى، مقابل تقديم واشنطن حزمة مساعدات اقتصادية ضخمة تنتشل الأردن من الأزمة المالية الخانقة، والحديث عما يدور عن نحو 150 ألف فلسطيني، أصولهم من غزة (راجع الكادر).

عباس: ترامب اقترح كونفدرالية مع الأردن وأنا وافقت بشرط


أما بشأن مصر، تضيف المصادر نفسها، فقد عرضت واشنطن منح الفلسطينيين حاملي الوثيقة المصرية، الذين ينتشرون في مصر وعدد من الدول العربية، الجنسية المصرية مقابل بنود عدة؛ منها: الإفراج عن المعونة الأميركية (غير العسكرية) للقاهرة، تقديم مساعدات جديدة تحسن الواقع الاقتصادي المصري، وتسهيل حصول القاهرة على الدفعات التالية من قرض «البنك الدولي». وكان لافتاً تزامن ذلك مع توقيع وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، يوم الجمعة الماضي، على مستندات تسمح بإرسال مساعدات عسكرية إلى مصر بنحو 1.2 مليار دولار (هذه مستمرة ولم تتوقف)، والتعهد للحكومة المصرية بـ 195 مليون دولار إضافية من موازنة 2017، بعدما كانت واشنطن قد قلصت مساعداتها للقاهرة السنة الماضية بنحو 96 مليون دولار وأجلت صرف الـ 195 مليوناً بدعوى أن البلاد «لم تحرز تقدماً على صعيد احترام حقوق الإنسان والمعايير الديموقراطية». يشار إلى أن عدد الفلسطينيين ممن يحملون الوثيقة المصرية لا يتخطى مئة ألف، بعدما كانوا حتى عام 1969 نحو 33 ألفاً.
المصادر أوضحت أن هذه العروض قُدّمت إلى البلدين خلال زيارات أجراها مسؤولون مقربون من الرئيس دونالد ترامب خلال الشهور الأخيرة، في إشارة إلى الجولة التي أجراها مستشار ترامب وصهره، جاريد كوشنير، والموفد الخاص للمفاوضات الدولية جيسون غرينبلات، وشملت إسرائيل ومصر والأردن وقطر والسعودية. وهكذا يكتمل حل «إشكالية» اللاجئين ــــ بعد خطوة الاعتراف بالقدس «عاصمة لإسرائيل» ــــ عبر عرقلة عمل «الأونروا» تمهيداً لإقفالها، وإلغاء صفة لاجئ عن أبناء اللاجئين وأحفادهم، ثم إيجاد حل خارجي ونهائي للاجئين عبر توطينهم في أماكن سكنهم من الدول التي ستقبل ذلك، وإعادة توطين من هم خارجها عبر مؤسسات الأمم المتحدة في دول أخرى، على أن يكون التمويل خليجياً، كما تنقل المصادر ذاتها. يشار إلى أن المتحدث باسم «الأونروا»، سامي مشعشع، حذّر أمس من إمكانية نفاد السيولة النقدية للوكالة مع نهاية الشهر الجاري «في ظل عجز مالي بلغ 217 مليون دولار».

عباس: قبلنا كونفدرالية مع الأردن... لكن
في غضون ذلك، كشف رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في لقاء أمس مع وفد من حركة «السلام الآن» الإسرائيلية، أن «ترامب اقترح علينا كونفدرالية مع الأردن، وأنا وافقت شرط أن تكون إسرائيل جزءاً منها، وسألت هل الإسرائيليون يوافقون على هذا الاقتراح؟»، مستدركاً في الوقت نفسه بتأكيد «توقف الاتصالات مع الإدارة الأميركية منذ إعلان ترامب نقل السفارة إلى القدس، وإعلانها عاصمة لإسرائيل». وفيما نقل المتحدث باسم عباس أن القرار الأميركي بوقف تمويل «الأونروا» هو «اعتداء سافر على الشعب الفلسطيني»، فإن صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، قالت في تقرير أمس، إن «أبو مازن» أبدى أخيراً تأكيده أنه «يؤيد أمن إسرائيل وإيجاد حل لقضية اللاجئين».
ونقل مشاركون في الوفد الإسرائيلي عن عباس قوله: «لديّ مشكلة مع (رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين) نتنياهو، وليس مع الليكود (الحزب الذي يتزعمه نتنياهو). وأنا ورئيس الشاباك نلتقي بصورة دائمة ونتفق على 99% من المواضيع»، فيما نقل موقع «يديعوت أحرونوت» أن «عباس شدد خلال اللقاء على أن أجهزة أمن السلطة تجري تنسيقاً أمنياً يومياً مع الأمن الإسرائيلي... أفراد أمن السلطة يفعلون كل ما في وسعهم كي لا يصاب أي إسرائيلي بأذى».

توتر بين رام الله والقاهرة
وبينما توقفت المباحثات بين الفصائل الفلسطينية في غزة، وبين جهاز «المخابرات العامة» المصرية (راجع العدد 3554 في 1 أيلول)، تواصل التوتر في العلاقة بين القاهرة ورام الله، إذ لا يزال الخلاف قائماً في ضوء إصرار الأخيرة على مواقفها في ملفي المصالحة والتهدئة، ورفضها الضغوط المصرية لقبولها تحسين الواقع في القطاع. ينقل مصدر فلسطيني إلى «الأخبار» أن وفداً من قيادة «المخابرات المصرية»، برئاسة الوكيل عمرو حنفي، التقى عباس في رام الله أول من أمس (السبت)، وبحثا ثلاثة ملفات هي: المصالحة، التهدئة والعلاقات الثنائية، «لكن من دون أي نتيجة».
وأوضح المصدر أن «الرئيس عباس أكد للمصريين ترحيبه بالورقة المصرية بعد أخذ القاهرة الاعتبارات التي طلبتها فتح، بما في ذلك تمكين حكومة الوفاق في غزة كلياً كمقدمة لإنهاء الانقسام»، لكنّ أكثر ما وتّر اللقاء هو ملف التهدئة، إذ أبدى أبو مازن «رفضه للدور المصري بهذه الصورة»، مؤكداً أنه غير راضٍ عن تجاوز السلطة في التوسط بين إسرائيل و«حماس». يضيف المصدر أن موضوع التهدئة كاد أن يفجر اللقاء بعدما هدد عباس بأنه سيتخذ «قرارات قاسية» في حال تجاوزه، وهو الأمر الذي دفع حنفي إلى التأكيد أن «مصر لا تعمل على تجاوز دور عباس، لكنها لن تقبل باستمرار الوضع المأسوي في القطاع»، لينتهي إلى التأكيد لعباس أن المصريين «لن يدفعوا حماس والفصائل إلى التوقيع على اتفاق تهدئة من دون موافقة السلطة ومشاركتها فيه»، وذلك في ظل الرؤية الفتحاوية القائلة إن غياب «فتح» عن الاتفاق يعني تشكيل دولة في غزة، الأمر الذي يمثل أحد بنود «صفقة القرن».



من يمكن أن يوطّن الأردن؟
لا أرقام بعينها يبيّنها الأردن بخصوص أعداد الفلسطينيين على أراضيه يمكن البناء عليها، ولكن تُظهر بيانات «دائرة الإحصاءات العامة»، في جدول يبين «توزيع السكان اللاجئين في الأردن حسب اسم الدولة التي قدم منها الفرد ومدة الإقامة والجنس ــــ عام 2015»، أن عدد اللاجئين من فلسطين يمثلون 123.956، وهذا رقم له دلالات خطيرة، لأنه إما أن الدولة الأردنية أسقطت عملياً الأرض المحتلة عام 1948 من حساباتها كبلد لجوء، واعتمدت من لجأ من الأرض المحتلة عام 1967 كلاجئين، وهذا أمر لا يمكن التنبؤ به أو الجزم بصحة الأعداد، وإما أنها ترى أن اللاجئين الغزّيين هم فقط اللاجئون الوحيدون في المملكة، وهم من تقول «الأونروا» عبر موقعها إن عددهم في الأردن 140.000، وهو رقم قريب مما عرضته «دائرة الإحصاءات».
يذكر أن وكالة الغوث لا تتحرج من التنبيه إلى أن البيانات التي تحتوي أعداد المسجلين لديها لا تمثل بيانات ديموغرافية صالحة إحصائياً كما في تقرير «الأونروا» عن عام 2017، وهذا أقرب إلى ما يمكن وصفه إخفاءً للأرقام، أو تضليلاً منهجياً لهذه البيانات المهمة وتعتيماً على واحدة من أهم الحقائق التي تعدّ الشاهد الأول على الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.


عبد الله يعتمد السفير الإسرائيلي الجديد


استقبل الملك الأردني، عبد الله الثاني، أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي لدى عمان، رغم أن أمير فايسبرود موجود في مقر السفارة منذ أشهر. ففي الثامن والعشرين من آذار/ مارس الماضي، أعلن الأردن قبوله الاسم الذي رشحته إسرائيل لشغل منصب السفير فيها، بعدما حصل فايسبرود على إجماع في اجتماع «الكابينت» الإسرائيلي عقب «زوبعة دبلوماسية» بين تل أبيب وعمّان إثر ما يعرف بـ«حادثة السفارة». ولم يمضِ على هذا القبول أسبوعان حتى كان السفير الجديد في مكتبه في العاصمة الأردنية.
وفايسبرود ابن وزارة الخارجية، ومسؤول ملفات عربية عدة في مركز الأبحاث السياسية التابع للوزارة، وتركز مجال عمله على سوريا ولبنان وفلسطين وتطوير العلاقات التجارية مع المغرب، كما أنه يجيد العربية، وحصل عام 1993 على شهادة الماجستير بتقدير امتياز في اللغة العربية وآدابها من الجامعة العبرية، أي أنه هيّأ نفسه جيداً لمناصب مختصة بالوضع العربي والإسلامي منذ توقيع اتفاقية أوسلو.
والملاحظ أن موضوع العلاقات الثنائية الأردنية ــــ الإسرائيلية واعتماد السفير في هذا الوقت، يرتبط بالضرورة مع موضوع التمثيل الأردني الناقص في سفارتها لدى تل أبيب، إذ استدعت الخارجية الأردنية منذ أشهر السفير وليد عبيدات (الذي شغل منصبه منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2012 لغاية أيار/ مايو 2018) إلى المركز في حركة وصفتها بالاعتيادية، وقبل أيام، رشح اسم غسان المجالي لشغل منصب السفير لدى تل أبيب، وهو سفير الأردن السابق في إسبانيا ومدير «المعهد الدبلوماسي الأردني»، وقد قُدّم الاسم إلى إسرائيل لقبوله. لكن لا يمكن القول إن هناك فراغاً دبلوماسياً فعلياً في السفارة الأردنية لدى تل أبيب، إذ إنها لم تغلق حتى في أشد الأوقات توتراً بعيد انتفاضة الأقصى عام 2000. ومع أن الأردن استدعى سفيره آنذاك، فإن القائم بأعمال السفارة مازن الدين التل بقي في تل أبيب حتى تعيين معروف البخيت في 2005 (شغل البخيت منصب رئيس الوزراء في 2011 بالتزامن مع الحراك الأردني، وهو الآن عضوٌ في مجلس الأعيان).