يشهد سجن رومية المركزي انتفاضات دورية للسجناء، تطالب بحقوق بديهية، يلحظها الدستور وبعض مواد القانون. لكنّ هذه الحقوق غائبة عن اهتمامات المسؤولين. وإذا كان سجن رومية يمثّل العلامة البارزة في مظلومية السجناء بصفتهم بشراً وأصحاب حقوق، فلا يعني ذلك أنّ السجناء في السجون الأخرى يتمتعون بما يكفي من العناية والاحترام والحقوق.

لقد كان للبنان شرف التوقيع على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكن هذه الميزة تحولت عبئاً عليه، لدى معاينة واقع حقوق الإنسان فيه، لدرجة تصنيفه من أكثر الدول انتهاكاً لحقوق الإنسان،وهو ما يجعلنا نرفع الصوت للمسؤولين: احفظوا سمعة الوطن في هذا المضمار. لا ينحصر الحق الإنساني بمعاملة السجناء معاملة قانونية سياسية، أو معاملتهم معاملة إنسانية لائقة

، بل إنّ هذا الحق يتمثّل بحفظ المجتمع والدفاع عنه من خلال حمايتنا الرعائية للإنسان فيه، تفادياً لجروحه ودخوله السجن. تسمى هذه المرحلة، في علم الاجتماع، مدرسة الدفاع الاجتماعي التي يدافع فيها المجتمع عن نفسه مسبقاً، وذلك بتأهيل الإنسان المعرّض للانحراف. بمعنى آخر، يكون التصدي للانحراف قبل حصوله، لا بعده.
أخذت هذه الأفكار طريقها إلى التنفيذ منذ سنوات عدّة، في بلاد متطورة، وهي تحتاج في وطننا إلى قرار مسؤول، يتطلع إلى إنجاز يُدخل لبنان في عداد الدول التي تحترم حقوق الإنسان.
كذلك، تنحو بعض دول العالم، في الآونة الأخيرة، منحىً إيجابياً في التعاطي مع السجناء والسجون، بأن تلحظ وزارة لحقوق الإنسان، لا تقتصر مهمتها على دور رعاية السجناء فحسب، بل على رعاية حقوق الإنسان عامة، وتلك فكرة واجبة التوجّه والتطبيق، على مستوى الحكومة المقبلة.
إنّنا نعتقد بأنّ الرئيس المكلّف، نجيب ميقاتي، بالتعاون مع فخامة رئيس الجمهورية، ميشال سليمان، يستطيعان، إذا أرادا، وضع هذه الفكرة موضع التنفيذ، بدءاً بتسمية وزير لحقوق الإنسان في الحكومة المقبلة، تدرّجاً نحو إقرار برنامج ذي أهداف قريبة وبعيدة.
تُعنى وزارة حقوق الإنسان بما يأتي:
1. مواكبة مجلس النواب في اقتراح القوانين العاجلة، الآيلة لتحرير السجون من صلاحية وزارة الداخلية، وإيلاء هذه المسؤولية لوزارة العدل.
2. دراسة واقع السجون لجهة بناء سجون حديثة، تستوعب وتستجيب لموجبات عملية الإصلاح المترافقة مع فترة السجن. إنّ نظام الأمم المتحدة يشترط أن تكون مساحة غرفة السجين 11.2 م2، فيما يشهد لبنان ظاهرة حشر ما لا يقل عن خمسة عشر سجيناً في هذه المساحة، دون تمييز بين أوضاع السجناء وظروفهم وطبيعة جرمهم، ومستواهم العلمي والاجتماعي. تلك ظاهرة شاذة ومعيبة في واقعنا الحالي، من شأنها أن تخرّج مجرمين حقيقيين بعدما دخلوا إلى السجن منحرفين محتملين. كذلك بلغت عملية الإذلال والقهر والمشقّة التي يعانيها أهالي السجناء لدى زيارة أقاربهم حداً معيباً، وأصبحت على كلّ شفة ولسان، ولا يجوز بعد اليوم التمادي فيها، مما يستدعي تسهيل عملية مواجهة السجين مع التشدد في مراقبة إدخال الممنوعات.
3. مواكبة العمل للإقرار السريع للقانون القاضي بخفض عقوبة السجن من سنة إلى تسعة أشهر، أسوة بأغلب دول العالم.
4. من مهمات هذه الوزارة إقامة الرابط والتنسيق مع وزارات الداخلية والعدل والشؤون الاجتماعية والصحة والعمل... للتنسيق معها في كلّ ما يتعلق بحقوق الإنسان، أو لجهة تأهيل السجين أو لجهة فترة الاحتجاز، أو حق العمل، أو الحق بالطبابة، أو تفعيل عمل المرشدين الاجتماعيين المواكبين لحركة الجانحين والأحداث والمعاقين، أو لجهة حقوق المرأة اللبنانية.
5. استحداث جهاز خاص للتنسيق مع التفتيش القضائي والنيابات العامة، بهدف تلقّي شكاوى السجناء وعوائلهم ووكلائهم جراء المعاملات اللاإنسانية واللاقانونية التي يتعرضون لها، أو من جراء مخالفة الضابطة العدلية لبعض مواد أصول المحاكمات الجزائية المتعلقة بحقوق المشتبه أو الموقوف أو المحكوم، لجهة طريقة التوقيف والاستجواب أو لجهة انتهاء محكوميته ووجوب إخراجه من السجن فوراً، وخصوصاً أنّ أوضاع بعض السجناء المادية لا تسمح لهم بتوكيل محامين يطلعونهم على حقوقهم.
7. حثّ البرلمان على التصديق على المعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان المبرمة مع الأمم المتحدة، التي تتضمن نصوصاً أفضل لحقوق الإنسان من نصوصنا المحلية، وإعمال المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية التي تنص على ما يأتي: «عند تعارض أحكام المعاهدات الدولية مع أحكام القانون العادي، تتقدم في مجال التطبيق الأولى على الثانية».
8. إصدار مرسوم بإنشاء مجلس وطني لحقوق الإنسان يضم عدداً من القضاة السابقين والمحامين وناشطين في مجال حقوق الإنسان وأصحاب رأي واختصاص من المجتمع المدني يدرس التوجهات ويقدم الاقتراحات والتوصيات، ويواكب تنفيذ القوانين.
* محامون ناشطون في مجال حقوق الإنسان