منذ بداية الثورة/ المؤامرة في سوريا، يؤكد كل من طرفي الصراع أنّه يمثل الأغلبية الصامتة، ويخوض المعركة باسمها ونيابة عنها. وفي الوقت نفسه، تتعرض هذه الأغلبية للابتزاز والاستفزاز من قبل الطرفين، للخروج عن صمتها وحسم الصراع سريعاً. لكن هذه التسمية لم تأت من فراغ، وعلى عكس محاولات تصويرها، ستبقى هذه الأغلبية صامتة، فهي ليست صاحبة موقف إيديولوجي (بالمعنى السياسي) كما هو حال المتحاربين والمتحزبين لهم، وبالتالي لا تنخرط مباشرة في العنف الدائر. ومهما تصاعد هذا العنف تستمر عجلة حياتها بالدوران دونما توقف، محاولة التأقلم مع المستجدات التي يفرضها الصراع. ولو كانت هذه الأغلبية منحازة كلياً لأحد الطرفين كما يدعيان، لما وجدنا مئات الآلاف من السوريين لاجئين في الدول المجاورة، وعدداً أكبر من ذلك نزح داخلياً ــ بينهم الكثير ممن يستطيع القتال لكنه لا يفعل ــ وذلك على الرغم من تعرض هؤلاء للآثار السلبية المباشرة للصراع، وهو ما يجب أن يدفعهم تلقائيا ليصبحوا جزءا منه، لأنّهم يحمّلون أحد الطرفين على الأقل مسؤولية ما آلت إليه أحوالهم. لكن ذلك لا يحدث لأن المحدد الأساسي لسلوك الأغلبية هو بيولوجي، يتلخص بالبقاء والاستمرارية، وهي محور نشاط النوع البشري. وبغض النظر عن التسميات، فإنّ الصراع سيحدد منظومة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تحكم سوريا. هذه المنظومة تشكل إطاراً لكيفية تحقيق الأغلبية بقاءها واستمرارها. وعلى عكس المتصارعين المؤدلجين، فإنّ الأغلبية ذات عقل نقدي تتعاطى ببراغماتية عالية مع الصراع وتطوره ونتائجه، فهي تركز على إيجابيات الطرفين ــ يتم تحديد الإيجابيات هنا بقدر ما تساهم في تحقيق البقاء، ولاحقاً تحسين شروط هذا البقاء ــ وهذا ما يجعلها قادرة على التعامل مع المنتصر في الصراع، لأنها ستركز على إيجابياته تلك فقط.

وإذا كانت هذه الأغلبية لا تنخرط مباشرة في الصراع، فهذا لا يعني أنها منعزلة عنه، أو ليس لها موقف من أطرافه، بل هناك ضمن الأغلبية مواقف في غاية التنوع والتدرج تنحصر بين موقفين حديين (مؤيد – معارض). إلا أن مفهوم التأييد والمعارضة ــ بعد هذا الوقت الطويل من العنف والدمار ــ ناجم عن تفاعل سلبي مع الصراع، وليس عن تفاعل إيجابي. بمعنى أنّها عندما تؤيد أحد طرفيه فهي تؤيده لأنّه الأقل تهديداً لشرط بقائها، الذي لا يتم من دون استقرار. وبالتالي عندما نجد متعاطفاً مع النظام ضمن هذه الأغلبية، فلإنّه يعتبر أنّ المعارضة كانت السبب في إطاحة الاستقرار كأساس في سعيه للبقاء، على الرغم من كل انتقاداته الأخرى للنظام بغض النظر عن أهميتها. وبالمقابل فإنّ متعاطفاً مع المعارضة يعتبر أنّ النظام قام بتهديد عوامل البقاء التي كانت متوافرة قبلاً، نتيجة سياساته الاقتصادية والاجتماعية، ولاحقاً أطاح الاستقرار باتباعه الخيار الأمني.
إنّ الأغلبية من هذا المنظور ليست ثورية على الإطلاق بل إصلاحية، بمعنى أنّها لا تسعى إلى التغيير الجذري لظروف حياتها، مهما كانت التوقعات والوعود مرتفعة من هذا التغيير، بل تفضل تغييراً تدريجياً وهو ما قد يشكل أحد عوامل نشوء الديكتاتوريات.
إنّ مواقف الأغلبية من المتحاربين ليست ثابتة بل تتغيّر تبعاً لتطورات الصراع، فعندما يحقق أحد الطرفين تقدماً على الأرض، يصبح هو الضامن للاستقرار وفق شروطه، وتبدأ الأغلبية عملية تأقلم مع هذه الشروط المستجدة، لتبدو وكأنها تؤيد من يفرض هذه الشروط، الذي بدوره يحاول تصوير هذا التأقلم وكأنه تبنّي الأغلبية لإيديولوجيته. وكلما اقترب الصراع من لحظة الحسم بين منتصر وخاسر، ستبدو الأغلبية وكأنها ساندت المنتصر منذ البداية.
سيبقى كل من طرفي الصراع مصراً على تنصيب نفسه ناطقاً باسم هذه الأغلبية، في محاولة لإضفاء الشرعية والبعد الأخلاقي على ما يمارسانه بحقها، معتبراً أنّ خسارته خسارة لها. ولكن أياً كان الخاسر في هذا الصراع، فالأغلبية لن تتأثر كثيراً بخسارته. إنّ خسارتها الوحيدة تكمن في ما تشهده البلاد من فقدان هذه الأغلبية لحيواة أفرادها. فضلاً عن أن الصراع بعد كل هذا العنف، امتلك ديناميكية جديدة، تجاوزت العناوين العريضة التي وضعها المتحاربون في البداية، سواء في الحرية و الكرامة، أو مواجهة المؤامرة والحفاظ على استقلال البلاد. كما أصبح للمتحاربين أسبابهم الذاتية للقتال بعد أن كانت موضوعية، ليصبح ادعاء أي منهم النضال لصالح حياة مترفة للأغلبية الصامتة، لا يمتلك صلابة على أرض الواقع، إذ أصبح مجرد البقاء فيه ترفاً بالنسبة لقسم كبير من هذه الأغلبية.
* صحافي سوري