من الصعب التحدث عن زياد الرحباني، إنّه أشبه بمحاولة القبض على الهواء أو إمساك حزمة من نور. لا يحتاج مُبدع مثل زياد إلى شهادتي، ولستُ بصدد التحدث عن موهبته وعبقريته، لكن ثمة جانباً مهماً جداً في شخصيته أحب أن أشير إليه وأحلله، وهو أنّ هذا الرجل الاستثنائي هو قدوة لجيل من الشباب العربي المُعّذب والذي يفتقر إلى القدوة.

لقد تابعتُ باهتمام كبير المقابلتين اللتين أجراهما الإبداعي المميّز غسان بن جدو مع زياد الرحباني، وحرصتُ على ألا يرف جفني أو يشرد انتباهي للحظة، كي لا تفوتني الكلمات الكثيفة المقتضبة لزياد الرحباني الذي شغلني كما شغل الملايين من محبيه في حل بعض الألغاز في كلامه. أعترف بأنني حرصت أن أحضر كل حلقة أكثر من مرة كي أكتشف عظمة هذا المبدع.
إذا أردتُ أن أقلد أسلوب زياد في الكلام، أقول دون تردد وبقناعة تامة: إنّ الشيء الوحيد الذي يبدو مستحيلاً هو أن يكون زياد رجلاً عادياً. لقد قرأت ذات مرة أنّ تاريخ البشرية يختار من وقت لآخر أفراداً معنيين لخوض تجارب أو اختبارات فظيعة، واستشهد الكاتب بشخصيات مثل دوستويفسكي، وجان دارك، وغيرهما.
وأسمحُ لنفسي بأن أضيف شخصاً مثل زياد الرحباني، إذ رغم موهبته العالية وموسيقاه التي أعجز عن وصف سحرها، فإنّ عظمته تكمن في الثورة الحقيقية التي فجرها في أعماله، ثورة الكرامة والحرية والعدالة والحب، في كل كلمة كتبها أو لحنها وفي كل نغم ألّفه، هناك دوماً ثورة كرامة، هناك عملية تحرير للإنسان من كل قوى الظلم والاضطهاد والجهل التي تطبق عليه.
زياد رجل مُضاء من الأعماق بنور الحق والحياة الكريمة، لا تشعر وأنت تستمع إلى كلماته بأنّ هناك موسيقى وهناك رجلاً، فزياد هو الموسيقى، هو «فيلم أميركي طويل»، و«بالنسبة لبكرة شو»، و«أبو علي»... وكل أعماله. عليّ أن أعترف بأنّني حين كنتُ طالبة في كلية الطب، كنتُ واحدة من آلاف من الطلاب والطالبات نضع في حقيبتنا الدراسية كاسيتات زياد الرحباني ونتناقلها ونهديها لبعضنا البعض... لم نكن ندرك أنّه قدوة لنا وأنّه يمثل ويجسد ما نعاني منه، وما نتوق إليه.
كنا نتحلق حول آلة التسجيل ونضحك من كلام الأخ رشيد، ولم نكن نملك الخبرة ولا الثقافة الكافية لنفهم تلك النشوة الروحية والفكرية والوجدانية التي تدخلنا فيها موسيقى وكلمات زياد الرحباني، كان قدوتنا دون أن نعرف. كان لسان حالنا دون أن ندرك. كان لديه ما يقوله دوماً لأنّ أصالة موهبته تنمو ليس فقط من روحه، بل من الحياة، من التجارب الحياتية. كنا نشعر كيف تتفتح براعم روحنا المنكمشة بالخوف. موسيقاه كانت تبث الثورة في أرواحنا وسلوكنا. لقد علمنا الطريق الصحيح لاستيقاظ الكرامة والأهم الإيمان بعظمة الحياة...
إنّ بث الثورة في النفوس هو الفعل الأروع للفن، وهذا ما فعله زياد الذي يدهشنا كونه منيعاً في وجه أمراض العصر... كيف أمكن لمراهق عاش جنون الحرب الأهلية في لبنان وكان شاهداً على الطائفية والفساد والقتل والخيانة، أن يبقى متوازناً وسط هذا الخراب؟ كيف أمكنه وهو لا يزال في العشرينيات من عمره أن يقبض بأصابعه المشعة بطاقة الموهبة، على القوى المجنونة للقتل والطائفية ويحولها إلى موسيقى رائعة، متجاوزاً نفسه، متجاوزاً أسرته، وخارجاً من عباءة العظيم عاصي الرحباني... محققاً ذاته كما لو أن وجوده يتأرجح بين حلم وحلم؟ نشعر ونحن نصغي لموسيقاه بأنه رجل ينتقل من الحلم إلى الحياة، ومن الحياة إلى الحلم.
كم عدد المبدعين الذين لا ولاء لهم إلا للفن وللإنسان؟ كم عدد المبدعين الذين أداروا ظهورهم للمجد الدنيوي ولعطايا الحاكم! وكم عدد المبدعين الذين كانوا بسلوكهم اليومي صوت الحق الصارخ في عالم القمع والاستبداد والفساد...
لقد عاش زياد متوحداً مع الموسيقى كمشروع حياتي وإنساني، وطنه الحقيقي الفن الذي يحرر الإنسان من الداخل، ويثوّر أعماقه بثورة الحرية والكرامة...
لم أجد فناناً ومبدعاً سخر من الطغاة كما فعل زياد، وحتى ذلك الدوار الذي تدخلنا فيه بعض مقطوعاته الموسيقية والتي للوهلة الأولى تبدو أنها تفتقر إلى التناغم، كما شعرتُ في المرات الأولى التي استمعت إلى موسيقاه «أبو علي»، فإنّني سرعان ما عرفت أية عبقرية يمتلكها زياد في التعبير عن إنسان يشعر بالتمزق والقهر، ويؤلمه سحق الكرامة... لا يمكن لمن يستمع إلى زياد أن يبقى على حاله، أن يرضى بالذل والقهر وسحق الكرامة. إن من يتماهى مع موسيقى زياد ومسرحياته وكلماته، تزول الغشاوة عن عينيه، وتُفتح طاقة نور في روحه المعتمة. إنه يدلنا على إنسانيتنا المطمورة في وحل الخوف واليأس، ويوقظ فينا بهاء الإنسان المتعمد بنور الحرية والكرامة. إنه يدعونا إلى أن نشاركه ليس معرفة ذاتنا فقط بل تحقيقها، أن نعيش بكرامة، ألا نرضى الذل والقهر، وأن نعرف أنه يمكن للعين أن تقاوم مخرزاً إذا كانت تلك العين هي نافذة لروح حرة شجاعة.
إن زياد الرحباني هو القدوة لجيل من الشباب التائه والذي يعاني أقسى أنواع الظلم والتهميش والفقر الروحي والمادي. إنه مثال لرجل مسكون بثورة الكرامة والتواضع وتقديس الحياة الكريمة، وهو رغم سخريته اللاذعة وكلامه المقتضب فإنه مشحون بالتزام عال تجاه الأصالة. إن كل طاقاته مجندة لخلق مستوى أرقى وأكثر إنسانية وعدالة للحياة. وهو مترفع عن هدر أي جهد في الرد على من ينتقده ويحاول تشويه صورته... إنه يعلمنا كيف يمكننا تجاوز أنفسنا وظروفنا لأنّه هو ذاته تجاوز ظروفه وتحدى مجتمعاً متمترساً في أفكار ومحسوبيات ظالمة وخاطئة، مؤمناً بالإنسان وبموهبته الأصيلة، معطياً كيانه للفن ضارباً جذوره في وطن استثنائي هو الموسيقى والكلمة، كلمة الحق...
شكراً زياد لأنك موجود في عالمنا، شكراً لأنك القدوة الحقيقية لجيل من الشباب المُتعب الذي يفتقر قدوة...
شكراً للإعلامي غسان بن جدو الذي نجح في جعل مبدع مثل زياد ــ يعرف كيف يخفي روحه عن الناس ــ في أن يكشفها لنا في حوار أكثر من رائع.
* كاتبة وروائية سورية