في سياق البحث عن حل سياسي للأزمة السورية، كثر الحديث عن استحالة الحسم العسكري، وأنه لا مفر من حل سياسي _ بمعنى تسووي _ للأزمة. ومنذ أن أدلى نائب رئيس الجمهورية السورية فاروق الشرع بحديث صحافي لجريدة «الأخبار» عن صعوبة الحسم العسكري، تدحرجت الفكرة وكبرت مع مرور الوقت فالتقطها كثيرون وتمسكوا بها، وأصبحت منقذاً لهم من الغرق والإفلاس، بينما فكرة الحل السياسي لمَن يعرف العقل السوري الحاكم يدرك أنه وهم تسوّقه بعض الدول، وتحاول جعله «طوق نجاة» لحلفاء تلك الدول بعدما ثبتت لهم صعوبة إسقاط النظام، وفشلهم في تحقيق مكاسب فعلية بعد ثلاث سنوات من القتال الطاحن والهجمات، والدعم المالي والسلاح والمؤتمرات والمؤامرات، ومحاولات العزل والحصار والعقوبات. هكذا أصبحت فكرة استحالة الحسم العسكري وحصرية الحل السياسي _ التسووي عنواناً لمعظم المعارضين السوريين، كهيئة التنسيق والجبهة الشعبية للتغيير، وعزز هذه المقولة أخيراً نائب رئيس الحكومة قدري جميل، ولحقه حسن عبد العظيم وآخرون، إضافة إلى بعض دول الإقليم.

وترويج فكرة الحل السياسي، أي التسوية، جاء خارج سياق الأحداث وتطوراتها، وهي تعبير عجز وإفلاس عند المعارضة التائهة بين الموالين والمعارضين في ساحة الميدان، حيث أزيز الرصاص ودويّ المدافع. فليس لهذه الفكرة مكان في ظل التطاحن العسكري. في غمرة الاقتتال تأتي هذه التصاريح وكأنها تغرد خارج السرب، وبعيدة عن المنطق. ويجري التداول بهذه الأفكار في الفنادق والمنتديات بعيداً عن سير الأحداث وحقائق الأمور الميدانية. ولذلك، طرح الحل السياسي وفق أوهام وأمنيات مَن تبنّاه، واقتصر الطرح على حكومة سورية انتقالية، ووصل الوضوح بالبعض إلى اعتبار الحل هو في رحيل الرئيس السوري بشار الأسد.

فهم عقل النظام ووهم إسقاطه

غالب المواقف التي تداولت بأفكار الحل السياسي تؤكد عجز الكثير من القوى والدول عن فهم عقل النظام والذي منذ البداية خاض المواجهات من منطلق واحد، قاتل أو مقتول. وكل ما هو غير ذلك كان تبسيطاً للأمور وملهاة ومدعاة للسخرية ومضيعة للوقت. وعدم إدراك طبيعة الأحداث وفهم عقل النظام أدى إلى تقديرات خاطئة، بينما منذ بداية الأزمة كان النظام يدرك حجم الهجمة، وفي الوقت نفسه كان يعرف ما يريد أساساً، أي الحفاظ على السلطة، فأعدّ نفسه لمواجهة طويلة، ووضع استراتيجية كاملة للتعامل مع التطورات، وعمل على إطالة المواجهات، وجهّز نفسه لتلقّي الضربات وكيفية احتواء الهجمات للصمود طويلاً. خطة تعتمد الدفاع الحيوي والنَفَس الطويل، وحماية مواقعه الحساسة كالعاصمة، وصولاً إلى لحظة تكون فيها الظروف قد نضجت لتوجيه الضربات القاتلة للخصم بعد استنزافه وإنهاكه.
كانت قوات النظام وتحالفه تحاول أن تظل ممسكة بحركة زئبق الحراك العسكري، فإذا اختلّ لجهة، أعادت قوات النظام العسكرية التوازن حتى ولو اضطرت إلى الإفساح لخصومها بتسجيل نقاط عليه. لم يكن كثيرون يعرفون لماذا كانت قوات النظام تسيطر على مواقع ومناطق ولا تلبث أن تنسحب منها، تاركةً قوات المعارضة تعود إليها على غرار ما حصل أكثر من مرة في جوار حلب، وبعض أحياء حمص، أو في ضبط الحدود. لا يفسّر لماذا لم يرغب النظام بحسم مواقع معارضة له، بينما من غير المنطق أن يصح له قضم خصمه ولا يفعل. في المعركة العسكرية معانٍ وأبعاد وأهداف سياسية، قد لا يحققها نصر كاسح في ظرف غير ناضج. لذلك اعتمدت قوات النظام عملية الإمساك بالعصا من الوسط، مانعةً خسارتها الذاتية، وفي الوقت نفسه مانعةً سقوط ونهاية الخصم بشكل نهائي، فلا معنى لأي نصر عسكري إذا لم يحقق غايته السياسية: الحفاظ على السلطة من جهة، وترك الفرصة للحلفاء للّعب في الوقت الممدّد للمواجهة من جهة ثانية، مثل التفاوض على الملف النووي الإيراني، والدرع الصاروخية في أوروبا، وشؤون النفط العالمية بين روسيا وإيران ودول الغرب والخليج. بهذه الروحية عمل النظام ولا يزال وحقق تقدماً كبيراً، وبذلك يراهن على أن ينتصر في النهاية.
وفي الوقت الذي اعتمدت فيه المعارضة المسلحة على الهجوم الشامل، فانتشرت في جغرافية واسعة وبعثرت قواتها المبعثرة والمشرذمة أصلاً دون خطة، مما سهّل على النظام إدارة معركته بهدوء. فانتشار المجموعات على نطاق واسع خلق تفاصيلاً وتناقضات كثيرة في ما بينها. احتفظ النظام بقواته في نقاط استراتيجية، وترك الفوضى تسود أكثر فأكثر في نقاط غير مؤثرة، وهذا جعل المعارضة تعتقد بقرب سقوط النظام طالما المناطق تسقط بسهولة، فكثرت الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات وتشكيل حكومة منفى وأيضاً كثرت التنسيقيات والفصائل والمجالس المحلية، وكتحصيل حاصل أفرزت زعامات مما أدى إلى مزيد من الفوضى والتناحر والتقاتل والسرقات والخوات.
هذه الفوضى جعلت بعض المنظّرين يعتقدون أن البلاد دخلت مرحلة طويلة من الاستنزاف والتدمير ولا بد من إيجاد صيغة لوقف القتال والبحث عن حل سياسي كون الطرفين عاجزين عن التقدم والحسم. لا شك أن هذه أفكار لمبتدئ غير ملمّ بالتحولات والمتغيّرات، فالحل السياسي يحتاج إلى فريقين وصلا إلى طريق مسدود، فتجري المفاوضات من هذا المنطلق.
أما حقيقة الأحداث فمغايرة تماماً، فالنظام طرف واحد متماسك، من ورائه حلف موحّد على نسق واحد، يؤدي لعبته بانضباطية وحدود هو يقررها، وإذا سيطر النظام كقوة متماسكة على نصف البلاد فإن ذلك يؤهله لحسم النصف الآخر من البلاد المشرذم والمتناحر. أما المعارضة أو المعارضات فخلفها أحلاف مختلفة متباعدة متفرقة، شنّت هجومات عشوائية غير منظّمة في الغالب. استراتيجية النظام وتحالفه تحتاج نَفَساً طويلاً لجعل فصائل المعارضة تصل إلى حدود اليأس وإطالة الأزمة وانعكاساتها على دول الجوار، سيؤدي إلى أن تدفع بتلك الدول في نهاية المطاف للبحث عن مخارج للحد من مخاطرها.

دور المعارضة المسلحة

كانت القوة أو ما يعرف بالمعارضة السورية في شبه غيبوبة مما يجري من متغيّرات إقليمية ودولية، ودون إدراك أهمية الدور الروسي والدور الإيراني. فهاتان الدولتان لم تساندا النظام السوري للحصول على مكاسب داخلية وصغيرة من خلال تغيير حكومي أو برلماني. ليس المطلوب بعض الرتوش والمكياج، إنما كانت معركة محور صاعد يسعى ليرث محوراً آخر يتراجع.
لم تقع القوى المعارضة السورية وحدها في هذه الإشكاليات إنما هناك أطراف إقليمية انزلقت إليها، واعتقدت أن في مقدورها فرض بعض الشروط من خلال تجميع بعض الكتائب والفصائل مثل «جيش الإسلام» أو من خلال زعزعة الأمن في لبنان أو ضرب الحكومة للتعويض، لكن هذا الوهم يتبخّر يوماً بعد يوم، والقوى المحلية اللبنانية المتورطة لم تستوعب بعد أن هذه المحاولات تجاوزتها الأحداث، وهذا ما صرح به فيلتمان لبعض أقطاب 14 آذار.
فالتطورات الأخيرة تحتاج إلى منطق يفهم طبيعة المعركة في سوريا وكيف تصرف النظام وحلفاؤه، فهي ليست للتسوية والحلول السياسية، بل هي لبلورة عالم جديد يكون فيه محور البريكس ومعه حلف المقاومة، شريكاً حقيقياً. إنه نصر استراتيجي شامل وليس مجرد ربح معركة موضعية كمعركة نظام بمواجهة معارضة.
أما أصحاب الحلول السياسية فسيكون لهم مقاهٍ ومنتديات للتنظير والتأمّل والأمنيات.
* كاتب لبناني