لا تزال مسألة إحالة سلسلة الرُّتب والرواتب للأساتذة والمعلمين وموظفي الإدارة في القطاع العام، ولمعلمي المدارس الخاصة إلى مجلس النواب، تشغل الأوساط السياسيَّة والنقابيَّة والشعبيَّة. لا بل تحتلّ موقع الصدارة، على الرغم من تزاحم القضايا الداخلية والإقليمية، وتحفر اسمها بين المسائل التي استغرقت أطول مدة زمنية لحلِّها.


وتجدر الإشارة إلى أنّ سلسلة الرتب والرواتب أُقرّت منذ ما يقارب ستة أشهر، بعد مفاوضات مع الحكومة، عبر لجنتين وزاريتين، فضلاً عن لقاءات مع رئيس الحكومة، وتعهدات، وضرب على الصدور حيناً، وعلى الطاولة أحياناً، بأنّ من يتعهد ليس «حبَّتين»، بل إن المتعهدين صرّحوا أكثر من مرّة بأنهم يمثلون أكثرية الحكومة، ومصدر القرار فيها: «ألا تثقون بنا؟». والمعروف أنّ إقرار السلسلة كان بفضل نضالات الأساتذة والمعلمين وسائر موظفي الدولة؛ فقد جرت مجموعة تحركات من إضرابات واعتصامات وتظاهرات، لم يغب عنها أي قطاع معنيّ بالإفادة من مفاعيل السلسلة. واللافت في هذا المجال هو أنّ التحرك وصل إلى إدارات الدولة، بحيث شُلَّت هذه الإدارات لأول مرة في تاريخ الدولة اللبنانية لأسباب نقابيّة مطلبية، وبدعوة من هيئات نقابية لا من قوى سياسية، وهو ما يفتح آفاقاً إيجابيّة لمستقبل العمل النقابيّ في ظل ترنُّح الاتحاد العماليّ العام، بل في ظل انحيازه المكشوف إلى السلطة وأرباب العمل والهيئات الاقتصادية. الأمر الذي بات يطرح بإلحاح ضرورة النضال لإسقاط دوره في قيادة عمال لبنان، نحو بناء حركة نقابيّة ديمقراطية مستقلة قادرة على الاضطلاع بقيادة العمل النقابي اللبناني، من دون الارتهان إلى السلطة.
ويأتي في هذا السياق، الإضراب المفتوح الذي دعت إليه هيئة التنسيق النقابيَّة في 19 شباط، ليطرح عدداً من التساؤلات حول مصير السلسلة من جهة، ومصير هيئة التنسيق النقابيَّة من جهة ثانية؛ فقرار الإضراب جاء نتيجة ضغوط قواعد الأساتذة والمعلمين والموظفين على هيئة التنسيق النقابيَّة، وقد ترجمت هذه الضغوط في النتائج العالية التي أظهرها التصويت على التوصية بالإضراب المفتوح؛ إذ فاق عدد الموافقين عليها 95%، وهي موثّقة في محاضر الجمعيات العمومية في الوزارات والثانويات والمدارس والمهنيات. وهو ما يعتبر رداً صريحاً على مماطلة الحكومة بإحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب، وعلى محاولاتها التهرُّب من مسؤولياتها، أو خفض أرقام السلسلة وتجزئتها أو تشطيرها... إلى ما يعادلها من مصطلحات باتت تشكل علامة فارقة لهذه الحكومة.
وإذا كان الإضراب المفتوح، أو الدعوة إليه على الأقل، يشغل بال الحكومة، ويظهر عجزها عن الوفاء بتعهداتها، وبالتالي عجزها عن مواجهة الشارع، فإنها ستحاول بالتأكيد اللجوء إلى «تفجير ألغامها» داخل هيئة التنسيق النقابيّة. الأمر الذي يضع هذه الهيئة على حد السكّين، في تعاملها مع الموضوع، لأسباب باتت معروفة، وهي أسباب لها ارتباطها بتركيبة هيئة التنسيق النقابيّة، وبتفرُّع ارتباطاتها بالحكومة والمعارضة السلطوية على السواء، فضلاً عن موقع القوى الديمقراطية في هذه الهيئة، من جهة، وبموقعها القيادي باعتبارها تمثل الموظفين، والأساتذة والمعلمين في القطاعين الرسمي والخاص، فضلاً عن المتقاعدين، وتمثل هواجس المتعاقدين في قطاعات العمل على اختلافها.
وإذا كانت الحكومة مجتمعة قد أقرَّت ــ على الرغم من تنوع الآراء فيها، واختلاف أعضائها حول موضوع السلسلة بين مؤيّد ومعارض ــ المشروع بصيغته المعروفة، تحت ضغط الشارع، فإنها خضعت لابتزاز المعارضة الحكوميّة الممثلة بقوى 14 آذار، ولرفض هذه المعارضة السلسلة علناً (كلمة فؤاد السنيورة في مؤتمر الحوار، وموقفه عند قيام وفد هيئة التنسيق النقابيّة بزيارته)، وخضعت أيضاً لتهديدات الهيئات الاقتصادية التي توعدت اللبنانيين بالويل والثبور إذا أقرّت السلسلة. وهو ما يفسّر هذه المماطلة وذلك الإرباك في الموقف الحكومي، وصولاً إلى محاولات كسب الوقت عشية الاستحقاق الانتخابي.
ولعل المتتبّع لسير المفاوضات يلاحظ الإرباك الحكومي في تحديد مصادر تمويل السلسلة، وبخاصة في غض الطرْف عن المصادر الحقيقية الممكنة، من الأملاك البحرية والفوائد على الريوع والتحسينات العقارية، وتحسين الجباية الجمركية، والبحث بدلاً منها في جيوب المستفيدين من السلسلة ذاتها من خلال زيادة نسبة الضريبة على الراتب، أو في خفض المعاش التقاعدي، أو في محاولات خفض أرقام السلسلة وتشطيرها أو تجزئتها أو تأجيل دفعها، وهي مشاريع قديمة فيها بصمة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ومشاريع «باريس 3» و«بيروت 1»، وغيرها.
ويبدو أن الحكومة تراهن على الوقت، واقتراب موعد الانتخابات النيابية، وبالتالي عدم قدرة مجلس النواب الحالي على التشريع، كما تراهن في الوقت ذاته على «تفخيخ» التحرك من داخله، أي من خلال تركيبة هيئة التنسيق النقابيّة، ذلك أنّ لأحزاب الحكومة قوّتها داخل قيادة هيئة التنسيق النقابيّة، وقد حاول بعضها تدوير الزوايا والإشارة إلى ضرورة البحث عن حلول قبل موعد تنفيذ الإضراب. وقد شهدنا سابقاً مثل هذه المحاولات في خلال الامتناع عن تصحيح الامتحانات الرسمية، حيث جرت ضغوط على هيئة التنسيق النقابيّة من داخلها، وأحبطتها قواعد الأساتذة ولجان التصحيح.
إنّ المراهنة على تعطيل مفاعيل الإضراب من داخله تضع هيئة التنسيق النقابيّة في الميزان، فإما أنْ تلتحق بالاتحاد العمالي العام (وقد أطلّ برأسه إلى جانب الهيئات الاقتصادية لرفض السلسلة والاكتفاء بتصحيح جديد للأجور بمعدل 10.5%) وتصبح بالتالي هيئة مدجّنة، وإما أن تنتصر إرادة الأساتذة والمعلمين والموظفين والأجراء والمتعاقدين والمتقاعدين، وهو أمر يقرره حضورهم القوي في التحرك، وإسكات كل الأصوات الانتهازية داخل الحركة النقابية.
وعلى العموم، فإن الحراك المطلبي الأخير يطرح بجدية وضع الحركة النقابية على بساط النقاش، ويعزز ضرورة إعادة بناء هيئة نقابية جديدة تمثل العمال والأساتذة والموظفين وسائر ذوي الدخل المحدود، على أسس جديدة قائمة على تمثيل حقيقي لا وهميّ، حركة نقابية تستطيع أن تقود النضالات النقابية إلى بر الأمان، من دون خضوع أو ارتهان. ولعل الرهان مبني على نشاط الهيئات النقابية الديمقراطية التي استقلت عن الاتحاد العمالي العام، وعلى قدرة موظفي الدولة انتزاع حقّهم في التنظيم النقابي، وهذه مهمة القيادات النقابية الحريصة على مصالح الناس، لتكون سنة 2013 سنة حق التنظيم النقابي.
* رئيس الاتحاد العالمي لنقابات المعلمين