تعيد الحروب والانقسامات الكثيرة التي تمر بها المنطقة وما أفرزتها من ظواهر قديمة بعناوين وأشكال جديدة باب النقاش حول أزمة الهوية العربية، ما يدفع إلى وجوب إعادة قراءة عدد من المفاهيم والإيديولوجيات التي برزت وفشلت على مدى عقود. ولعلّ أهمها هي القومية العربية التي بدأت بالظهور في المنطقة كردّ فعل على احتلال السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر.


يختلف علماء التاريخ حول فاعلية وصوابية الأسس التي قامت عليها القومية العربية، إذ يعتبر البعض أن الهوية الدينية غلبت على هذه الحركة، وهو ما يعدّ ضرباً لجوهرها. يشرح ابن خلدون أن سبب فشل المجتمعات العربية في التطوّر أو الانتقال إلى الحياة المدنية الحقيقية يعود إلى الطبيعة القبلية التي تغلب على هذه المجتمعات، وهو ما يفسّر بحسب نظريته، تأثر أو حاجة هذه المجموعات الدائمة إلى الخطابات الدينية أو إلى وجود زعيم للقبيلة أو للمجموعة/ الطائفة لقيادتها، ظنّاً منها أن من شأن ذلك حمايتها ضد الآخرين، ما يؤدي إلى سهولة إيثار العصبية الطائفية والمذهبية وتوظيفها، على حساب الانتماء القومي. ولعلّ ذلك يفسّر جانباً من الاهتزاز الذي كانت تتعرض له هذه الحركة منذ نشوئها، مروراً باحتلال فلسطين عام ١9٤٨ حيث شكلت هذه المحطة التحدي الأكبر الذي فشلت فيه الشعوب والقيادات العربية في اتخاذ موقف موحد فكان الانقسام سيد الموقف.


لا يكفي البكاء اليوم على أمجاد الماضي والانغماس في مناقشة أسباب الإخفاق

ومع وصول الزعيم جمال عبد الناصر، أصبح حلم الوحدة العربية وبالتالي إعادة إحياء وترسيخ القومية العربية أكثر واقعية وقابلية للتحقق، إلا أنه ما لبث أن تلاشى بعد وفاته لأسباب عدة. ومن الانقسام حول فلسطين، بدأ الوعي حول المخاطر الواحدة التي تهدد التاريخ واللغة والجغرافيا بالتلاشي، عبر تحالفات ومتاريس متناقضة نسجتها الدول العربية لمواجهة ما تعتبره خطراً يهدّد وجودها العقائدي، ما أحدث انفصالاً كليّاً بين الدول العربية فيما بينها، وبالتالي في التفاعل الطبيعي بين شعوبها حول الخطر الواحد والوحيد على المنطقة، ألا وهو التقسيم. بالإضافة إلى ذلك، لعبت المشاكل الاقتصادية دوراً بارزاً في توجيه سلوكيات وذاكرة شعوب المنطقة العربية، وفي إعادة خلق هويته، وهي جزء لا يتجزأ من سياسة ممنهجة نعيش اليوم أحد أخطر فصولها.
فالمتابع لمجمل الأحداث التي تشهدها المنطقة يلاحظ تبايناً وانقساماً حول عدد من القضايا والأولويات، وتغليب المصلحة الفردية بين الدول في مقاربة القضايا الواحدة بطريقة مشوهة وغير مدروسة، حتى بتنا نشهد مجموعة هويات طائفية وعرقية ومذهبية على مساحة جغرافية واحدة ومترابطة. من هنا، فإن لامبالاة نسبة كبيرة من شعوب المنطقة العربية حول الغزو التكفيري والخطر الإسرائيلي لمنطقتهم وصولاً إلى الالتباس أحياناً في مقاربة عدد من القضايا الأساسية، هي أحد أوجه هذه التحولات، حتى بتنا نعاني من تشوّه خطير في ذاكرة المواطن العربي. اليوم، تواجه كل من سوريا ولبنان والعراق وفلسطين ومصر الخطر نفسه، والقضية نفسها، وهو خطر التقسيم بأداة تكفيرية صهيونية. ولا تكفي الخطابات السياسية وحدها لمعالجة ما تتعرض له المنطقة، والعمل السياسي التقليدي في مجتمعاتنا بات غير كاف إذا كان هناك قرار لبناء هوية عربية واحدة وذاكرة حقيقية ومجتمعات متقدمة وواعية، ولمواجهة هذا التدمير الممنهج نتيجة إخفاقات يتحمل مسؤوليتها جميع التيارات الفكرية والأحزاب السياسية. إن طرح عقيدة وفكر القومية العربية في بلادنا ينبغي أن يقوم على أسس ومبادئ واضحة. وتشكل اللغة الواحدة والهوية الواحدة والجغرافيا والتاريخ المشترك والقضايا المشتركة، أحد أهم مقومات بناء هذه العقيدة من جديد على أسس واضحة صحيحة، تشترك فيها كل شرائح المجتمع، كلّ في موقعه. ولا يكفي البكاء اليوم على أمجاد الماضي والانغماس في مناقشة أسباب الإخفاق في غرس الفكر والسلوك القومي العربي في نفوس شعوب المنطقة، والذي يصل أحياناً إلى إلقاء التهم والتخوين بين الأصدقاء والحلفاء والمتخاصمين. بل بات المعنيون أمام مسؤولية كبيرة وملحّة، تقضي بإنشاء منظمة أو اتحاد أو حركة ثقافية عروبية مشرقية بكل مكوناتها، والعمل على إعادة صوغ وبناء أسس صحيحة لتطور المجتمعات. وهو مشروع يضم بالإضافة إلى مؤسسات الدولة، سياسيين وأكاديميين وإعلاميين واقتصاديين وفنانين، يعملون بتوجيه وتعاون مع القيادة السياسية في تلك الدول على إعادة النظر وتصحيح مناهج التعليم والسياسات الإعلامية والسياسات الاقتصادية، بالإضافة إلى إعادة إحياء اللغة العربية وتقويتها ونشرها من جديد، وهي اللغة الرسمية الواحدة والمشتركة، وإعادة إحياء الحياة الشعرية والأدبية والفنية الحقيقية التي تشبه الهوية والتاريخ في البلاد، بغية إعادة توجيه ذاكرة الناس التي تتعرض لغزو فكريّ خطير منذ سنوات عدة وحتى يومنا هذا، وهو أخطر من الحرب العسكرية.
مهما كثرت الخطابات وتعاظمت السياسات، فإن شرط تحقيق أي خطوة تقدم وبناء هو الانتماء، وهو ما بات يفتقده معظم المواطنين في دولنا، عبر أشكال متعددة ومختلفة من هنا، فإن إشراك جميع مكونات المجتمع، من الطالب وصولاً إلى المسؤول، والبدء بصوغ سياسات واضحة وغير مهترئة تبتعد من اللغة النمطية التي لعبت دوراً سلبياً في الماضي، قد تكون الخطوة الأولى في الوصول إلى الهدف المنشود، وتصدير الفكر العروبي والواعي للمنطقة في مواجهة الجهل والتطرف.
* أستاذة جامعية