عام 2009، سأل آرون سماتس ضمن مقالةٍ في مجلة Ethical Theory and Moral Practice: «هل يمكن لحسّ الدعابة لديك، أن يكونَ سيئاً؟» وعام 1987، طرح رونالد دوسوزا سؤالاً يدعو للتأمّل: «متى يكون من الخطأ أن نضحك؟».

في دراسةٍ أجراها، بعنوان «الكوميديا والأخلاق» عام 2020، يعرض وليام ليسان نظرياتٍ في فلسفة الكوميديا، أو ما يسمّى بالعلاقة الجدليّة بين الكوميديا والأخلاق. كما يعرض ليسان لقانونٍ وضعه ستيفن غيمبل ضمن عملية تفكيك العمل الكوميدي ومآلاته الأخلاقية والاجتماعية، تحت اسم «إطار للّعب». فأيّ لعبةٍ ينبغي أن تخضع لإطارٍ محدّد لا تخرج عن حدوده.
أطلق نويل كارول تسمية «اللاأخلاقية الكوميديّة»، على كل فعل اختراق لهذه الأطر. لكن متى يعدّ الأمر اختراقاً أو انتهاكاً؟ في الواقع، يرسم كارول بعض المعايير، منها الكوميديا التي ترتكز إلى موضوعاتٍ تحمل إشاراتٍ عنصريّةً، أو جنسيّةً جندريّة، أو إشاراتٍ تستهدف جماعةً مضطهدة، أو تنتهك احترام شريحةٍ من المواطنين، كالسخرية من شخصٍ لمجرّد اختلافه عن البقيّة.
لقد حازت مسألة الكوميديا في الغرب اهتماماً واسعاً، لما تتضمّنه من رسائل تبعث بطبيعتها على الضحك، وتقدّم مادةً للسخرية. وما بين السخرية والتنمّر والتحقير والهتك، تعدّدت الدراسات التي أجراها كبار الباحثين وفلاسفة الأخلاق في هذا الصدد. فليس الأمر يمتّ لحرية التعبير بصلةٍ، كما عبّر هؤلاء، بل إنّ هذا النوع من القضايا مشمولٌ في منظومة القيم والمعايير والأخلاقيات.
لهذا الغرض، قام بيتر ماكغرو وكاليب وارين عام 2010، بصياغة فرضيّة الانتهاك الحميد benign violations theory BVT. ترسم الفرضيّة حدوداً للسخافات التي قد تعدّ عدوانيّةً ومثيرةً للحفيظة Taboo، حيث إنّ الكوميديا برأي الباحثين، تنبثقُ من عملية انتهاكٍ لقاعدةٍ ما، حيث ينظر إلى هذا الانتهاك على أنه حميدٌ أو مسالم. بمعنى آخر، لا يسمّى «كوميديا»، إلا ما كان حميداً في انتهاكاته. وفي دراستهما، يوضحانِ كيف أنّ بعض الانتهاكاتِ تبدو مرافقةً للمشاعر السلبيّة عند المخاطَبين، لا سيما تلك التي تنطوي فيها إشارات القرف والتقزّز.
من الجدير القول إنّ جون موريل في كتابه الموسوم «فلسفة الضحك والكوميديا»، يذهب إلى أنّ أخلاقيات الكوميديا هي مساحةٌ فيها أعظم المخاوف العملية، لكنها كذلك مساحةٌ حازت أقلّ قدرٍ من الاهتمام والعناية! تمحورت دراسة موريل حول الأبعاد الأخلاقية للكوميديا، مستنداً كذلك إلى دراسة دوسوزا حول فلسفة الضحك.
في المقلب اللبناني، وبمصطلح «تعا قلو بيزعل»، استبقَ محمد الدايخ مآلات فكرة برنامجه الذي وسمَه بـ«الساخر» و«الكوميدي»، متدرّعاً أوّلاً بحصانةِ القناة، ثانياً بتعريفاتها لحرية التعبير والرأي، وثالثاً بإبراز وجه البرنامج من خلال شخصيات شيعيّة تتقنُ تصوير الثقافة الاجتماعية والجماعية لأبناء هذه الفئة. استبق كلّ ما يحصل منذ تلك الحلقة، وعرف بأنّ هناك من سوف «يزعل»! هكذا يكون الدايخ أكثر دقّةً في تصويب هدفه الذي رسمه له مشروعٌ متكاملٌ مدروسٌ، ربما من دون أن يعي، وربما يعي جيداً، وفضّلَ أن يخوضَ هذه التجربة، لأنّها أصبحت في الآونة الأخيرة «ترند» يشعلُ الصفحات ويحشدُ المشاهدات ويحقّق الأرباح.
ووسط جدليّة السوق والأخلاق، يطفو على السطح ومن جديد، سؤال «ماذا خلف السوق؟». ويرقدُ في القعرِ سؤالُ الحقيقة، فالملحّ في المشهد اليوم، الحفر في الصورة وما تخفيه، وليس الاكتفاء باستذكار ملامح الحقيقة. فالأخيرة قد تبقى حبيسة النطاق النظري والتنظيري، ما لم تقوّض طبقاتُ «المُصطنَع» بتعبير جان بودريار، وتحطّم شاشاتُه.
فالمالُ أداةٌ والسوقُ أقوى ذريعةٍ ومهمازٍ يحقّق من خلالها صاحب الفكرة فكرته، وصاحب المشروع مشروعه. يبقى عامل التوقيت، الذي تعدّ دقّة اختياره استثماراً ناجحاً في بلدٍ كان يتباهى بتنوّعه وألوانه يوماً، ويختالُ بين دول الجوار بالعيش المشترك بين أبنائه. وتعدّ كذلك توظيفاً ذكيّاً لكل الأدوات التي أتاحتها الإرادات نفسها، التي أغلقت بوجه المواطن كلّ سبلِ التنفّس. هكذا، قنعَ المواطن، ولاذ بهذا المشروع وما يقدّمه من صورةٍ، تنسيه بؤسَه لدقائق، وتوحي له بأنّ انتماءه هو سبب اختناقه!
وبعيداً من السوق، أو إلى جانبه، كيف يصاغ هذا النوع من البرامج في بعض المحطات اللبنانية؟ هل تخضع هذه الأعمال لتقييمٍ أدبيٍّ أو على الأقلّ فنيٍّ معيّن؟ أو أنها حال البلد، تشبه كلّ قطاعاته المتشرذمة! وهل هي برامج عفويّة كما تدّعي في كلّ مرّة!
نعم، في كلّ مرة، تعاود هذه المحطّات بثّ برامجها التي تؤدي دور التفرقة بإتقانٍ بالغ، ذاهبةً إلى ما يسمّى بتطبيع المفاهيم والقيم. وقد يطرح هنا سؤالٌ بشكلٍ عفويّ: ماذا لو أنّ مقدّسات الآخر كانت موضع السخرية! وماذا لو وضعت كل المقدّسات الخاصة بكل الأديان السماوية تحت مجهر الهزل والهتك والتحقير؟ ماذا يبقى لمجتمعٍ لا ينقصه التدهور القيميّ والأخلاقيّ؟ هل ستبقى الكنيسة والمسجدُ والديرُ والصومعةُ في سكون؟ وماذا وراء كل هذا التجريح بمعتقدات الأخ في الوطن؟
هذه المرّة كان الإمام الحسين (ع) الثيمة. قبلها كانت فئةٌ من نساء هذا الوطن، وقبلها المقاومة، وقد يأتي بعدها الدور على كتاب الله ورسوله... والردّ في حال ردّ الفعل جاهز: «أنتم قومٌ لا تسمعون إلا من يتكلم لغتكم»، كما عبّر الدايخ الذي لم تقتصر سخريته من الشيعة، التي سماها كوميديا، على حلقةٍ واحدة فقط، وإنما نرى الإشارات المسيئة في كل الحلقات. والسؤال: من الذي يضحك هنا؟ وهل المادة فعلاً تعكس عفويةً في اختيار الموضوع؟ الأمر يبدو غير بريءٍ بالنسبة لشريحةٍ واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما بعد تأمل إيماءات الممثلين وحركاتهم وضحكاتهم المدروسة جداً. هذا بالتزامن مع برامج أخرى وإعلامياتٍ أخريات لا يفوّتن فرصة الاستعراض في هذه الساحة الحامية.
هكذا ينتشر الهزل بقوّة. لأنّ الإنسان حيوانٌ يعرف كيف يضحك كما عبّر هنري برغسون. برغسون الذي رأى بأنّ اللاإحساس يترافق عادةً مع الضحك، مشيراً إلى أنّ الهدف الأساس من الهزل أو الكوميديا وحتى التراجيديا أو المأساة، إنما هو إصلاح المجتمع. فالسخرية من المغرور والبخيل هدفها الإصلاح السلوكي. فما الهدف من السخرية من تقاليد فئةٍ معينة من البشر، أو من معتقدهم أو من لغتهم أو حتى لهجتهم؟!
وفي النهاية، فإنّ الأحكام الأخلاقية التي تدين هذه الانتهاكات، لا شكّ تعزّز التمسّك بالمعايير الاجتماعية القيميّة وتضعضعُ موقف كلّ من يعتبر بأنّ انتهاك تلك القيم، بوابةٌ لمشروعه البعيد عن الأدب والفنّ والإنسانيّة.

* كاتبة ومترجمة وباحثة في الفلسفة