في امتداد قراءة تكرّرت في مقالات سابقة، يتّضح الآن، أيضاً، وبشكل فاقع وحادّ، أن الأزمة مستمرة، وأن المعركة التي استخدمت وتستخدم تلك الأزمة، ما دفعها إلى التفاقم والاستعصاء، ما زالت مستمرة بقوة، هي الأخرى. أمّا الأسلحة والأساليب فقديمة وجديدة. وهي قد تصبح أكثر توتراً، وحتى أكثر عنفاً (حادثة - كمين «الطيونة» كانت استطلاعاً بالدم!).

مرّت سريعاً فترة الاعتقاد الواهم، بأن «الفريق السيادي» كسب الأكثرية في الانتخابات النيابية التي جرت في أواسط أيار الماضي. انتقل قائد ميليشيا «القوات اللبنانية» إلى «الخطة ب» التي كان قد وعد، أو توعَّد، بالتحوّل باتجاهها إذا فشل فريقه في كسب معركة الانتخابات. هذا ما أعلنه صراحةً في خطابه بمناسبة ذكرى شهداء حزبه في أيلول من العام الماضي: «سننزل في اليوم الثاني إلى الشارع». لكن خلافات وصراعات متصاعدة أعقبت الانتخابات، وخصوصاً بشأن تشكيل الحكومة، والرئاسة الأولى، و«الفراغ»، وبعض التوجّهات السياسية المهمة... أعادت الأمل لجعجع بخوض معركة رئاسة الجمهورية. وهو حدّد، الأربعاء الماضي، مواصفات للرئيس لا تنطبق إلا عليه: ومن لا يتبنّى ذلك يكون خائناً!
الأزمة الطاحنة التي يكابدها اللبنانيون إلى تعاظم بسبب مراوحة السلطة في الفئوية التحاصصية المدمِّرة نفسها، وفي التمسك البليد والأرعن والإجرامي بنفس النظام والسياسات التي قادت إلى الإفلاس والفشل والانهيار الشامل (على صورة تداعي الأهراءات) الذي دمَّر حياة 95% من اللبنانيين ويهدد الآن بتفتيت وتفكيك وإطاحة الكيان اللبناني نفسه! هذا التعاظم ناجم أيضاً عن الدور الخارجي، الأميركي خصوصاً، في المضيّ بالمعركة استناداً إلى الأزمة وإلى تأجيجها. أمّا الهدف فمزدوج: الشق الأوّل منه حماية النظام والمنظومة الطائفيين لمنع سقوط نظامهما باعتباره نموذجاً فعّالاً للتفتيت كان أوّل من ابتكره المستعمرون الإنكليز تحت عنوان: «فرق تسد». هذا النموذج استنسخ في العراق المنكوب بعد احتلاله من قبل واشنطن عام 2003. هو نموذج لكل المنطقة بشكل عام بما يحول ليس فقط دون الوحدة بين بلدانها (التي هي مصدر قوتها) بل حتى دون وحدة بلدانها نفسها. بذلك تبقى المنطقة، بكل خيراتها وثرواتها ومصائرها، تحت سيطرة أو هيمنة أو تأثير المشروعين الاستعماري الغربي والاستيطاني الصهيوني. الشق الثاني منه الذي تسعى إليه واشنطن، على رأس مجموعة من حلفائها المحليين والإقليميين (بالشراكة مع العدو الصهيوني)، حصر مسؤولية الأزمة القاتلة «بحزب الله» (الحلقة الأحدث والأقل فاعلية في المنظومة التحاصصية) ما يعزله ويضعفه ويغرقه في مشاكل داخلية تمكِّن من تعطيل دوره وسلاحه الموجّهين ضد العدو الصهيوني.
الخطة الأميركية مستمرة حيال لبنان في شقَّيها المذكورَين. وهي وإن لم تحقِّق الأساسي من أهدافها، إلاَّ أنها أحرزت نجاحات ملموسة على المستويين الشعبي والإعلامي والمعنوي. ذلك يجعل من الانتخابات محطة وليس نهاية المطاف. وهكذا استُؤنِف الضغط على لبنان بعد الانتخابات أيضاً، وعلى المستويات كافة؛ في ملف الترسيم البحري واستخراج النفط: واشنطن تضغط لتلبية الشروط الإسرائيلية تحت عنوان انقسام الحكام وإفلاس البلد وحاجة اللبنانيين إلى الرغيف والقرش... ثم من أجل إحراج المقاومة وحلفائها وإظهار السلاح فاقداً للفعالية ومتساهلاً أو عاجزاً حيال الضغوط والتعديات. في هذا النطاق، أيضاً، جرى استخدام المزايدة المنضبطة حيال الخط 29 وفق معادلة «كلمة حق يُراد بها باطل»! في موضوع الخدمات، استمرت المماطلة الأميركية المقصودة بشأن الغاز المصري والكهرباء الأردنية. كذلك، في موضوع قرض البنك الدولي، أُشهر، بشكل غير مسبوق عنوان «الجدوى السياسية»... ما جعل الانسداد والعتمة سيدَي الموقف!
الإعلام، من جهته، استمر مجنّداً في خدمة المشروع نفسه والشعارات نفسها... وسط تصاعد داخلي في لهجة الاستفزاز تبلغ ذروتها الآن في قضية المطران الحاج الذي نشط على خط التطبيع عبر زياراته المتكررة لفلسطين المحتلة لتفقد رعيته! يتابع البطريرك الراعي هذا الموضوع بشراسة موصوفة هي أقرب إلى تشريع نوع من «التطبيع الشعبي» استكمالاً لمطلب نزع سلاح المقاومة وتجاوزاً للقضاء وللموقف الرسمي اللبناني وتطبيقاً لمطلب «الحياد الإيجابي الناشط» في خدمة التطبيع الذي تستمر في رعايته واشنطن. إن الفجور الذي انطلق احتجاجاً على خرق النائب البطريركي للقانون اللبناني لم يتوقف عند حدّ؛ من التذكير بالأدوار في بناء «لبنان الكبير» إلى جعل رجال الدين فوق القانون بما يفتح الشهيّة لمسار من التمايز والانقسام والتقسيم لم يستثنِ حتى العادات والتقاليد واللباس والمزاج... وبحيث يصبح نصف الشعب اللبناني غير خاضع للقوانين اللبنانية عبر المؤسسات الدينية بكل فروع نشاطها الديني والوقفي والتربوي والصحي والإغاثي...!
في بعض الضجيج الداخلي المتصاعد والمنظّم ما يذكِّر بالقول المأثور: «وإن الحرب أولها كلام»... للدكتور سميع جعجع دور بارز في هذه المعركة: بتاريخه الميليشيوي القديم والجديد. بعلاقاته في نطاق «الكتائب» و«القوات» مع العدو الصهيوني. في تموضعه على تقاطع العلاقات ما بين «عروبة» الخليج والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين... يقع كل ذلك وسواه مما سيتكشّف أو يُكتشف لاحقاً في نطاق تصعيدي تحت نفس الشعارات السابقة: «السيادة» وقرار «الحرب والسلم» ومسؤولية «السلاح» عن الأزمة الاقتصادية. استمر الأمر، عموماً، على هذا النحو، حتى كانت المسيّرات الثلاث فوق حقل «كاريش» وسفينة الاستخراج... حيث تم فرض معادلة جديدة: لا استخراج إسرائيلياً من طرف واحد ودون حفظ الحقوق اللبنانية.
يواصل الفريق الأميركي تغذية أزمة اللبنانيين واستغلال وجعهم ومعاناتهم لفرض أهدافه. يلاقيه فريق من السلطة نفسها (أو معظم السلطة) ممن أدمن التبعية للغرب وللخارج. يمثّل هؤلاء اليوم رئيس الحكومة «الوسطي» بنكهة انتهازية ويمينية متأصلة. فالرجل يمسك اليوم بموقع بات موضوعياً الأقوى بين مواقع تعاني من الشلل أو الفراغ. وهو يحاول عبر ذلك أن يملأ عدة فراغات؛ أوّلها الموقع الأوّل في بيئته الذي شغر بعد «تطفيش» سعد الحريري. وثانيها الموقع الأوّل في البلاد المرشح للشغور والفراغ هو الآخر. هذا فضلاً عن الشغور الحكومي القائم أصلاً! مؤشرات متلاحقة تدلّ على أنه سيمارس دوراً متزايد السلبية في ملفات أساسية!
عندما تعاظم حجمُ الضغوط والمؤامرات والمخاطر، استعادت قيادة المقاومة بعض ما ينبغي أن يكون عليه موقعها في الصراع على المستوى اللبناني الداخلي. هي استشعرت، ولو على تأخير أو سوء تقدير سابق، ضخامة الخطر الداهم! على الفريق الوطني، وهو المثابر على تغييب دوره، أن يستجمع صفوفه ويستعيد موقعه: واضحاً وموحّداً ومبادراً...
إعادة تقييم المواقف والسياسات والأولويات وصياغة الاستنتاجات المناسبة، مسألة أكثر من ملحّة ومصيرية. أن تأتي متأخّراً خير من أن لا تأتي أبداً!

* كاتب وسياسي لبناني