يكاد أن يغيب عن ذهن الناس، وفي مقدمهم المراقبون السياسيون، من دبلوماسيين إلى إعلاميين مروراً بالباحثين المتخصّصين في العلاقات الدوليّة، أن سلوك الدول الغربية الكبرى اليوم، وأُولاها الولايات المتحدة، هو حصيلة تطور العقليّة الاستعماريّة، واستفحالها ليس مؤشراً على تراجع تلك العقلية أو تهميشها بعد طيّ صفحة الاستعمار المباشر الناجم عن المتغيّرات التي حملتها الحرب العالميّة الثانية على صعيد الثورات التحرّرية والاستقلالات التي أتت بها تلك الثورات.

فالصفحة الاستعماريّة لم تُطوَ إلى الأبد، كما خُيّل للكثيرين، وإنما طُويت بشكل مؤقتٍ وظرفي بقصد أن يستعيد الوحش الاستعماري التقاط أنفاسه، بحيث ينقضّ من جديدٍ على ضحاياه السابقين فيُنتّفهم تنتيفاً. حسبنا الإشارة بقوةٍ، في هذا المجال، إلى الغطاء الذي يبتدعه الاستعمار، أيّ الحكومات في الدول الغربيّة الكبرى الرئيسية، لاستقطاب التأييد من شعوبها بحيث تُوافق هذه على السماح بالحملات العسكرية لتدمير شعوبٍ وأممٍ بعينها، وبالتالي السكوت عن الفظائع التي ترتكبها هذه الحملات. والغطاء الآنف الذكر يتكوّن من شبكاتٍ من الشعارات «الأخلاقية» التي باتت معروفة: حقوق الإنسان، نشر الديمقراطية، مساعدة شعب مظلوم وإسقاط ديكتاتورية شنيعة... وآلة هذا الغطاء هي: الكذب.
إن موقع الكذب في أداء حكومات الاستعمار المتجدّد، والذي تألّق بشكل يُعمي البصر ويُلغي البصيرة من خلال الخطاب الغربي المرافق لما يُسمى بـ«الربيع العربي»، وعلى امتداد فصول هذا «الربيع» الأسود الدموي الجهنمي، فإن موقع الكذب هذا يحتل الصدارة في كل أداء، سواء أكان خطابياً أم بالأسلحة الفتّاكة. وأبرز الفصول الآنفة الذكر يحمل عنوان: «الحرب على الإرهاب».
هذا العنوان، كما يستخدمونه، من شأنه أن يُكافئ الكذب ويُعاقب الصدق. أن ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر، خلافاً تماماً لمبدأ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الملازم للدين في البلدان التي تُكثر من رفع الشعارات الدينية والتظاهر بالإيمان فيما هي تُمارس بالتالي فك الترابط ما بين الإيمان وعمل الصالحات، وهي بحدّ ذاتها من أفظع عمليات التزوير والتلاعب في الشأن الديني الذي يُستحضر، بدوره، لتبرير الانصياع لإرادة المستعمر. مخيفةً حقاً هذه الطاحونة التي تسحق الشعوب وتُدمر المجتمعات كمجتمعات.
إذاً، إن معاقبة الصدق ومكافأة الكذب هما القاعدة المعتمدة في العلاقات الدوليّة، وهي أيضاً تُشكل روحية ما يُسمى بـ«الأخلاق السياسية» التي يُكثر الخطاب الاستعماري من الإشارة إليها وتردادها على مدار الساعة وفق القاعدة الشهيرة التي تحدث عنها الدكتور جوزف غوبلز، وزير الدعاية في العهد النازي في ألمانيا. وهنا لا بدّ من التوقف للحظةٍ لتسليط الضوء على أحد مرتكزات الكذب الغربي ألا وهو رفض الفكر النازي. فالحقيقة هي عكس ذلك تماماً، ولقد عبّر عن ذلك بوضوح المحامي الفرنسي روجيه كيكرمان، يوم كان يشغل منصب رئيس «المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا» حين صرّح لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، تاريخ 26 أيلول 2001، حول زيارة رئيس حكومة «إسرائيل» آرييل شارون إلى باريس: «عندما جاء شارون إلى فرنسا، قلت له إن من الضروري إقامة وزارة للدعاية مثل وزارة غوبلز».
هكذا، بكل وضوح، ومن دون مواربة. بطبيعة الحال، لو قال هذا الكلام أيّ إنسان آخر غير صاحبه هذا للاحقته تهمة «العداء للسامية» وحُوكم وسُجن وجرى تدمير حياته وحياة عائلته. يحق لليهودي الصهيوني في الغرب ما لا يحق لغيره. وأما اليهودي غير الصهيوني، واليهودي الناشط ضد الصهيونية وضد كل أشكال العنصرية والذي يُناصر فلسطين فتُجرد عليه حملاتٌ وحروبٌ عدوانية، فظيعةٌ بقسوتها، بما في ذلك تهمة العداء للسامية. وكلام روجيه كيكرمان هذا جرى نشره في مقدمة كتاب صدر عن دار «لاديكوفرت» الفرنسية عام 2003 بعنوان: «معاداة الساميّة: الابتزاز الذي لا يُسَامَح به».
و«مبدأ غوبلز» يقوم على معادلةٍ تقول:
«اكذب، ثم اكذب، ثم اكذب، فيتحوّل الكذب إلى حقيقة». هذه أبرز عيّنة عن مبدأ تجريم الصدق ومكافأة الكذب. أنت صادق وتقول الحقيقة إذاً عليك أن تُحضر نفسك لعدوانٍ ساحقٍ ماحقٍ يبدأ بتلبيسك جرم العنصرية والعداء للسامية.
وإذ تكثر الأمثلة عن هذه الحقيقة التي يمكن اعتبارها من فصيلة أسلحة الدمار الشامل التي يجيز الاستعمار لنفسه استخدامها، بقصد خداع شعوبه وتبرير حملات تدمير باقي الشعوب والمجتمعات، لا بد من تسليط الضوء على ثلاث حالاتٍ معبرة بشكل مباشر عن معادلة تجريم الصدق ومكافأة الكذب: حالة جوليان أسانج، حالة صدقي المقت، وحالة أبي داعش الأميركاني (الرئيس جو بايدن).

في الغرب إذا كنت صادقاً وتقول الحقيقة، عليك أن تُحضر نفسك لعدوانٍ ساحقٍ ماحقٍ يبدأ بتلبيسك جرم العنصرية والعداء للسامية


جوليان أسانج، مؤسس شبكة ويكيليكس الشهيرة، والذي يقبع في غياهب أكثر السجون البريطانية قسوةً، منذ سنتين ونيّف، حيث يجري تعذيبه وتدميره نفسياً، ويخضع للتهديد بتسليمه إلى الولايات المتحدة حيث أفظع وأبشع أنواع السجون والمعتقلات، وكل ذلك بعد أن أمضى سنوات كلاجئ داخل سفارة إكوادور في لندن... مأساته ناجمة عن كونه آمن بحرية العمل الصحافي المسؤول والمحترم وكشف عن تورط بعض رموز النظام الأميركي بالإجرام وتصنيع الإرهاب، وكذلك كشف عبر الوثائق الدامغة عن خلفيات حروب الدمار الشامل التي تشنّها الولايات المتحدة على العديد من دول العالم... أي باختصار، إن مأساة أسانج سببها كشف لحقائق مطلوب طمسها تحت طبقات من الأكاذيب التي يجري تصنيعها تحت عناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب...
وكلها تُشكل عقداً متكاملاً هو بمثابة «عِدَّة الشغل» الدبلوماسية والدعائية، الأميركية – الصهيونية، بل والأطلسيّة عموماً.
إن معاناة جوليان أسانج لوحدها تكفي لتظهير حقيقة الديمقراطية المزيّفة السائدة في دول الاستعمار الغربي التي امتهنت إعطاء دروس لشعوب العالم بالأخلاق والشعارات. باختصار شديد، إن معاناة جوليان أسانج ومأساته تُبلوران صورة الستار الحديدي الأميركي – الصهيوني المهيمن في الغرب الأطلسي على وجه التحديد. كما أن مجرد وجود هذا الستار الحديدي يُثبت بما لا يقبل الشك حقيقة السقوط المريع للإيديولوجيا الأطلسية في مجال الحريات العامة والحقوق الفرديّة.
ومثال المناضل العربي السوري، ابن الجولان المحتل، صدقي سليمان المقت، يُشكل بدوره علامة فارقة، على الصعيد العالمي، في مجال الكفاح الإنساني والأخلاقي لإزالة الظلم وحماية الحقيقة بكامل عناصرها ووجوهها وميادينها ومحاكمة التفرقة العنصرية.
معروف أن صدقي سليمان المقت كان عمره شهرين حين سقط الجولان العربي السوري في قبضة الاحتلال العنصري الإسرائيلي. يعني أن صدقي لم يعرف الجولان حراً غير محتل، فكان من الطبيعي أن يبدأ حياته بالكفاح من أجل الحريّة. وعلى إثر إحدى عمليات المقاومة التي خاضها وهو لم يكن قد بلغ سن الرشد بَعد، اعتُقل على يد الاحتلال العنصري وحُكم عليه بـ 28 سنة من السجن، وعرف كل أنواع التعذيب والتنكيل والظلم إلى أن أنهى سنوات محكوميته وأطلّ على العالم رافعاً راية الجمهورية العربية السوريّة، مُؤكداً على الاستمرار في الكفاح حتى نيل الحرية كاملة للجولان ولفلسطين.
استأنف صدقي نضاله وتمكّن من كشف المكان الذي كانت تحصل فيه لقاءات التنسيق بين ضباط الموساد الإسرائيلي وقادة من جبهة النصرة. جُن جنون الإسرائيليين بسبب افتضاح أمر علاقتهم بإحدى أكثر منظمات الإرهاب فتكاً في سوريا، فاعتقلوه مجدداً وحكموا عليه بالسجن لسنواتٍ من جديد، ثم أُطلق سراحه بعد أكثر من عامين من خلال ضغط مباشر مارسه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الاحتلال الإسرائيلي، تجاوباً مع إلحاح الرئيس السوري بشار الأسد.
يعني أن تكشُّف حقيقة تورط الإسرائيلي، وبالتالي الحلف الأطلسي، بالمنظمات الأكثر دمويةً في منظومة الإرهاب الدولي، هو جريمة لا تُغتفر يجب إنزال أقصى العقوبات في «مرتكبيها»، كما تنص عليه إيديولوجيا الكذب المعتمدة كقاعدة قياس ودليل عمل في الغرب الاستعماري الذي يُدمر بلادنا شر تدمير. ففي أيامنا هذه ممنوع قول الحقيقة. لا صوت يعلو فوق صوت الكذب. هكذا تُبنى الثقافات والحضارات في أزمنة التقدم التقني، على حساب إنسانية الإنسان طبعاً. والغرب الاستعماري هو المسؤول الأول عن هذا المسار المتوحّش الذي تُحشر فيه البشرية حيث المفروض على الناس أن يقبلوا بالعبودية وأن يتهربوا من الحرية والكرامة والإنسانية.
وأما رئيس الولايات المتحدة الأميركية الحالي، جو بايدن، فهو بحقٍّ يستحق كنية «أبو داعش الأميركاني» إذ في عهده غير الميمون، يوم كان نائباً لرئيس صوري للولايات المتحدة الأميركية يدعى باراك أوباما - الذي اعترف في أواخر ولايته الثانية بأنه لا يمون على شيء في الخيارات الاستراتيجية للدولة الأميركية (ولنا العودة إلى ذلك لاحقاً) بما في ذلك خيار افتعال رقصة الدم المسماة بـ«الربيع العربي»- حيث جرى تصنيع أدوات الحرب العدوانية الجديدة على سوريا والعراق وليبيا واليمن. والكذب رائد أبي داعش الأميركاني هذا.
ففي محاضرة شهيرة له يوم 2 تشرين الأول 2014، في جامعة هارفارد العريقة اعترف بصريح لسانه أن السعودية وقطر والإمارات وتركيا موّلت ودرّبت ونقلت المنظمات الإرهابية، مثل داعش والنصرة وأخواتهما، ودفعتها إلى العمق السوري لتدمير الدولة السورية وإسقاط الرئيس بشار الأسد. ثم قال، وهنا الكذبة الفظيعة، إن إدارته تأسف لهذا العمل من قِبَل حلفائها، بما يُوحي بأن هذه الحرب العدوانية وقعت رغم إرادة حكومة الولايات المتحدة.
شكّل ذلك اتهاماً من قِبَل رأس الدولة الأميركية لحلفائها برعاية الإرهاب وتمويله وتسليحه وتدريبه، الأمر الذي يفترض به – لو كانت واشنطن صادقة في قولها هذا – دخول الولايات المتحدة في حربٍ لمعاقبة هؤلاء الحلفاء الذين ما إن أبدوا اعتراضاً على افتضاح أمرهم، من قِبَل أرفع منبر دستوري في دولة العمّ سام، حتى سارع أبو داعش الأميركاني نفسه إلى الاعتذار... عن قول الحقيقة.
هذه الأمثلة الثلاثة تكفي للتعريف بالإيديولوجيا المهيمنة على العالم والتي يعمل أحراره على تعريتها أكثر فأكثر إنقاذاً للبشرية من الزوال، أو على أقل تعديل، انتصاراً للحرية ورفضاً للعبودية.
معركتنا هي معركة الحريّة، والاستعمار ليس عنده سوى العبوديّة ليفرضها علينا.
* كاتب وباحث لبناني - افتتاحية العدد الجديد من مجلة «تحوّلات مشرقية»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا