لعلّ الغرور آفة من أشدّ الآفات أذيةً للأفراد والمجتمعات على حدّ سواء. صحيح أن الفرد أكثر عُرضة من المجتمع لهذا المرض الخبيث، إلا أن تداعياته على الجماعة أبعَدُ أثراً وأَفتَك. والغرور المتمادي، الذي هو مظهر من مظاهر الغيّ الخطير، لا يعكس الجنوح النرجسيّ فقط، بل يلامس الانغماس المَرَضيّ في الادّعاء والتبجّح وجنون العَظَمة، خصوصاً متى ارتبط ذلك الانغماس بالنزعة العنصرية وذاب فيها.

يخرج واحد من سكان الكهوف المعزولة - إلا عن الحقد الأعمى - ليغرّد كالغُراب قائلاً للرئيس بشار الأسد: "نرفض حتى الأوكسجين منك" !!! كأنّ أحداً سأل النائب الأسبق، الفاشل حتى في العلاقة مع حلفائه، عن رأيه أو صغائره أو كيدياته، أو كأنه مقروء من رئيس الدولة الذي مرّغ بشجاعته وصموده الأسطوري أنوفَ جميع الذين تآمروا عليه، من أشخاصٍ وتنظيمات ودول كبرى وصغرى دفعتْ عشرات المليارات الدولارية لتغييره ولإسقاط دور دمشق القومي والإقليمي، لكنهم باؤوا جميعاً بالفشل.
أفلا يعتبر المغرورون المُدّعون من إخفاقاتهم المتتالية وتفكيرهم الرغائبي؟ ألا يعرفون حدودهم وأحجامهم ومدى فقدانهم لماء الوجوه؟ ألا يدركون أن الخفة في السياسة إهانة للشعب، وأن السياسة ليست حرتقات صبيانية ضد وزير للصحة، فقط لأنه صاحب مبادرة أو لأنه - وطنياً - محسوب على المقاومة؟ قال أبو العلاء المعري: "أيها الغرُّ إنْ خُصِصتَ بعقلٍ/ فاسْألنْهُ فكلُّ عقلٍ نبيُّ".
إن أي عقل سياسي يدرك أن السياسة ليست عملاً إرتجالياً، ولا كراهية آسِنة، ولا فورة فئوية، ولا صدوراً تَضِيق بالوقائع التاريخية - الجغرافية - الاستراتيجية. فالعمل السياسي تَبَصُّر عقلانيٌّ وإنجازات عملية... السياسة، بكلمات الرؤيوي أنطون سعاده، هي فن خدمة الأغراض القومية، أي تسديد حاجات الأمة بمصالحها العامة ومستلزماتها العليا. وفي لبنان، المثقل بكل أنواع الأزمات والانشطارات والاختراقات، حان الوقت للسياسيين عموماً، وحتى للواغلين على السياسة، أن يصحو وجدانهم على ما جنَتْ أيديهم من المآسي والكوارث، فيعمدوا إلى انتهاج منظومة جديدة من التفكير والممارسة والأخلاقيات التي تُغَلّب المطالب العليا على كل ما عداها، ليس فقط لأن المركب المثقوب يغرق بالجميع، بل لأن دروس الماضي والحاضر التي لا تؤخَذ بعين الاعتبار تؤدي إلى الحكم على الغد الغامض بالإعدام الواضح.
الانتهازيون يرصفون أنفسهم داخلَ الجماعة رصفاً، لكنّهم ليسوا منها. إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يستوي الشتاء والصيف على سطح واحد؟ وماذا يبقى من صدقية أهل الدِّين والدنيا من الوُعّاظ الدائمين بمرجعية الدولة ،عندما يحاولون مصادرة صلاحياتها وسيادتها ومؤسساتها الدستورية في اصطناع مهامّ لم يطلبها أحد ولا يرضاها أحد من ذوي الضمائر، خصوصاً مع الخارج المشبوه الذي غذّى في لبنان البلاهة السياسية والأدوار الشاذة؟
في السياسة والاقتصاد والتربية والطوارئ الصحية لا بدّ من أن يختار شعبنا بين أمرين: الأوكسجين أو ثاني أوكسيد الكربون. وعلى ضوء ذلك الاختيار تنتعش رئتا المريض أو تتعطلان، يتنفس صُعداءَ الأوكسجين أو يختنق بسموم المكابرة والتواطؤ. وفي كلتا الحالتين لا مهْرَب من الحساب ولا مفرّ من تَحَمُّل المسؤولية الكاملة أمام الحق والشعب والتاريخ.

* أستاذ جامعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا