لقد تخصّصتُ أكاديمياً، طيلة سبع سنوات، في مفهوم الفطرة والطبيعة الإنسانية من باب الحقوق الطبيعية. والغاية من هذا الموضوع البحثي في القانون وفلسفته، كما والفلسفة السياسية، كانت التأمّل والتعمّق في كون الحق الطبيعي هو أساس دولة الحق. وخلافاً لما زعمتَه أنت وكرّرتَه مراراً، لا أجدك، بأية صفة ومن أي منطلق، لا مرشحاً «طبيعياً» ولا «المرشح الطبيعي» (يا للتواضع!) لتبوّء منصب سياسي. ينطبق هذا التقييم أيضاً على كلّ «حاكم» أو سياسي غير مسؤول، بما في ذلك شركاؤك وحلفاؤك وأخصامك وأتباعك من أمثالك الضاربين بعرض الحائط مقتضيات الحكم الرشيد والمصلحة العامة.

أنت، كجزء من كل، أحد أعمدة منظومة فاسدة ومفسدة جاءت الثورة في لبنان أخيراً، عن حق، لتحاسبها وتسقطها من غير رجعة. ولا يمكن أن تكون، لا أنت ولا أولئك، حجر الزاوية في إصلاح هيكل دأبتم على تهشيمه بأيديكم المرتكبة الفظاعات. لا يعقل أن يصلِح من خرّب، ولا يستقيم أن يكلَّف من أساء أمانة المسؤولية مثنى وثلاث. ثالثتك كانت ثابتة بحبر دم شهداء الثورة وجرحاها، ولا يجوز أبداً أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء فتأتينا أنتَ على حصان مسخ أسود وفوق أشلاء ضحايا انفجار بيروت المدمّرة بسواعد منظومتكم والثكلى بأحزان أبناء الوطن وبناته المفجوعين.
تلفظكم الطبيعة، كما الثوّار، وإذا لم تحترموا أنفسكم ونفس لبنان واللبنانيين وترحلوا، فسيلفظكم التاريخ أكثر فأكثر، آملاً ألّا يقصّر الحاضر بدوره أيضاً. ترفض الطبيعة ما يخالفها، وتكليفك يعارضها ويناقضها ويهين كرامة الشعب كما يتجاهل وعيَه ويتسلّق انتفاضته وثورته محاولاً خطفها منه. يعتدي تكليفك على الحقوق الطبيعية لكل مواطن لبناني ويغتصب ثورته المباركة ويغتال أحلامه بغد أفضل وبلبنان أجمل.
فما بالك من ترشيحك الوصولي نفسك، أساساً، كمرشح طبيعي أوحد (مع «أل» التعريف!): في ذلك إهانة لأرواح شهداء الثورة وضحايا انفجار المرفأ ولذويهم ولدموع اللبنانيين جميعاً وذلّهم اليومي ومعاناتهم اللامتناهية من جور جلجلتكم. في تكليفك نفسك، قهر أقسى للمقهورين وقلق أكبر للقلقين وإحباط أخطر للمحبطين وتهجير أقصى للمهاجرين وللصامدين وتهبيط للأجيال الصاعدة.
ستلحف عواصفكم، أنتم، بتعهّداتكم القادمة كما ذهبت وعودكم السابقة والزائفة العديدة أدراج الرياح. لرياح الطبيعة مسارها، وللطبيعة سُنّة تتحسّس ممّن يخالفها. لم تعد إبرة البنج المعهودة «كافيةً» مع شعب ثار ولم تعد تمرّ عليه أكاذيبكم وألاعيبكم وخطاياكم. مثلما طالبتُ، وما زلتُ أطالب، أمثالك جميعهم بالرحيل من «أعلى» الهرم إلى أسفله، أطالبك بدورك الآن مجدّداً: ارحل فوراً، حتّى قبل أن تُؤلِّف «حكومة»، وإلّا ستسقط في الشارع مرّةً أخرى وتعصف بك صفعة الشعب تكراراً.
لستَ «المرشّح الطبيعي» ولن تكون، أقلّه منذ مساء 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وبرأيي، لم تكن كذلك أصلاً في أية لحظة (منذ توريثك السياسي)، لا أنت ولا أي واحد من أمثالك من «المسؤولين» إذ «كلّن يعني كلّن». أما المرشّحون «الطبيعيّون»، لعضويّة مجلس الوزراء ولترؤّسه كما ولخدمة الشأن العام والحياة السياسية عموماً، فهُم الأشخاص الثائرون على حكّام غير طبيعيّين. ومن بين الثوّار الكثير من ذوي الكفاءة والاختصاص والخبرة والنزاهة والولاء للوطن وللمواطن.
* محام لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا