يصوِّر أنطون سعادة في فاتحة رسالته إلى محاميه حميد فرنجية، أواخر عام 1935، واقع شعبه المؤلم، بالقول: «... ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟ ومنذ وضعت الحرب أوزارها، أخذت أبحث عن جواب لهذا السؤال، وحلّ المعضلة السياسية المزمنة التي تدفع شعبي من ضيق إلى ضيق فلا تنقذه من دب إلا لتوقعه في جب». ويتابع أنه أسّس الحزب «لحماية» النهضة التي ينبغى إقامتها في بلاده لإنقاذها من كلّ الشرور والمحن.

والحقيقة، أنّ صورة «الويل» التي رسمها سعادة في رسالته، واقعة في حزبه. فمن أول إدارة حزبية بعيد استشهاده ولتاريخه، تدفع الإدارات الحزبيّة القوميين من ضيق إلى ضيق، فلا تنقذهم من دب إلّا لتوقعهم في جب، لعدم التزام هذه الإدارات بخطة سعادة.
و«المعضلة المزمنة» التي يعاني منها الحزب، هي خروجه من الأساس على الخطة البديعة التي وضعها مؤسّس النهضة والمتضمَّنة في دستوره. وما زالت هذه الخطة غير معمول بها لتاريخه، مقارنة بالمنظمة الصهيونية التي حدّدت 50 عاماً لنجاح خطّتها وإعلان دولتها، وكان لها ما تريد بفضل مؤسّساتها العلمية والعملية على السواء.
يأتي سعاده في مقالته «عود على النزعة الفردية في شعبنا - 15/08/1942»، على خطورة النزعة الفردية «على منظّماتنا ومؤسّساتنا ومشاريعنا العمومية... والتي تعترض نشوء النظام الاجتماعي العام. فطبيعتها مخالفة لطبيعة الاجتماع...»، ليخلص إلى التأكيد على أهمية «النظام الجديد» (غاية الحزب) : «... إنّ فكرة التنظيم الاختصاصي هي فكرة جديدة أوجدتها في سوريا والشرق العربي الحركة السورية القومية الاجتماعية. وإنّ هذه الفكرة لا تزال غير مفهومة الفهم اللازم، حتى عند أكثر القوميين الاجتماعيين أنفسهم، بدون استثناء المتنورين منهم...».
ونجده يعود في خطابه في «العيد القومي» (15/01/1944)، ليشدّد على أهمية النظام: «إنّ الوحدة السورية القومية التي تقرّرها مبادؤنا ويحقّقها نظامنا هي طريق الإنقاذ الوحيدة لسوريا وحقوقها ومصالحها»، فهذا «النظام الجديد» هو الخطة الوحيدة لإنقاذ سوريا، لم يوضع موضع التطبيق منذ غياب سعاده. لذلك، لا مؤسّسات في حزبه، التي يشرح كيفية استيلادها في محاضرته الثانية عام 1948 بقوله: «...والنظام، في عُرفنا، هو ما قلت وكرّرت إنّه لا يعني الترتيبات الشكلية الخارجية، بل هو نظام الفكر والنهج، ثم نظام الأشكال التي تحقّق الفكر والنهج. النظام في عرفنا ليس مجرّد تنظيم دوائر وصفوف. النظام شيء عميق جداً في الحياة، ولذلك قلت إنّ الحزب السوري القومي هو قوة ستغيّر وجه التاريخ». فلا حديث عن أية شرعية تُعطى لأيّ إدارة حزبية خارج هذا المفهوم على الإطلاق.
هذا الحزب الذي غايته «تغيير مجرى التاريخ»، أحالته الإدارات الحزبية المتلاحقة إلى شتات، فقدّم بغير استحقاق بلدة سعادة للقوى الإقطاعية والمذهبية. نخلص ممّا أوردناه آنفاً عن الغياب الكلّي لمؤسّسات الحزب كما حدّدها الزعيم؛ فلا تشريعات للدولة القومية التي أعلنها سعادة في خطابه المنهاجي، عام 1935، من قِبل المجالس العليا، وأيضاً لا خطط لرئاسة الحزب على المستوى القومي العام. والمنفذيات والمديريات هي مجرد وحدات «إدارية» في ظلّ غيابها التام عن «متّحداتها».
عودٌ إلى مجريات الواقع الذي يتخبّط فيه القوميون، عبر بعض البيانات:
1 - الأمين ميشال الحاج (29/07/2020):
- عدم شرعية انتخاب المجلس الأعلى الحالي واعتباره سلطة مؤقته.
- إلزامية مقرّرات المؤتمر.
 2-  أعضاء المجلس الأعلى السابق المستقيلون (15/10/2020)
- التسليم بالأمر الواقع و«صوابية» انتخابات 13 أيلول/ سبتمبر، بعدما رفضوا في سلسلة بيانات سابقة المشاركة فيها لعدم دستوريتها!
3- رئيس هيئة المؤتمر:
- قبولٌ بنتيجة انتخابات 13 أيلول/ سبتمبر، رغم عدم مشاركته فيها لعدم دستوريتها لتمرير مسألة انعقاد المؤتمر تحت ظلال «الشرعية».
- اعتبار مقرّرات مؤتمر أيار/ مايو 2021 ملزِمة للمجلس الأعلى الحالي.
من الواضح، أنّ البعض يعمل للتقرّب من «الإدارة الجديدة»، «بحكم النظام»، كما باشرت بعض المعارضات حواراً معها بدل أن توحّد صفوفها حتى «لا تروح فراطة» كما يُقال، من دون أيّ اعتبار لحلّ عملي من مسيرة مؤسّس النهضة...
 أكرّر ما كنت قد كتبته في 12/10/2020، مؤكّداً على إنشاء إدارة مؤقتة من أصحاب العقلية الأخلاقية الجديدة لمدة سنة، يعقبها مؤتمرٌ نوعيّ من ذوي الكفاءة والاختصاص.

* كاتب لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا