ينعقد على مواقع التواصل الإلكتروني، على مدى يومي السبت والأحد في 11 و 12 تموز/ يوليو الحالي، «الملتقى العربي: متّحدون ضد صفقة القرن وخطة الضم»، بدعوة من ستّ هيئات عربية (المؤتمر القومي العربي، المؤتمر القومي/ الإسلامي، المؤتمر العام للأحزاب العربية، اللقاء اليساري العربي، الجبهة العربية التقدمية، مؤسسة القدس الدولية)، ويشارك في الملتقى أعضاء الأمانات العامّة لهذه الهيئات وقادة فصائل المقاومة والاتحادات المهنية العربية وشخصيات محدودة من فلسطين والأردن، بما يجعل الملتقى جامعاً لممثلين عن معظم مكوّنات العمل الشعبي العربي، ومن غالبية تياراته الفكرية والسياسية، في تحدٍّ واضح ليس «لجائحة كورونا» ومتطلّبات مواجهتها فحسب، بل في تحدٍّ للمشروع الصهيو/ أميركي، الذي يسعى إلى تجزئة الأمة، وتقسيم كياناتها الوطنية، وتشظّي مجتمعاتها وقواها الشعبية، ليتمكّن من تنفيذ كل مخطّطاته الرامية إلى نهب موارد أمّتنا وتعطيل مشروعها النهضوي، وضرب مقوّماتها الروحية والمادية...

وإذا كانت المبادرة بعقد هذا الملتقى قد جاءت من المغرب، من خلال شخصية بارزة لها باع طويل في النضال من أجل فلسطين وقضايا الأمة، وهي المناضل خالد السفياني، المنسّق العام للمؤتمر القومي الإسلامي والأمين العام لمؤسسة المفكر الكبير الراحل الدكتور محمد عابد الجابري، فإنّ التجاوب السريع معها قد جاء من أقطار الوطن العربي كافّة، كما من تيارات الأمة المتنوعة، والتي باتت تدرك أنّ المدخل السليم لمواجهة التحديات الضاغطة على حاضر الأمة ومستقبلها، إنما يكمن في تلاقي تياراتها النهضوية كافة وتجاوز كلّ الجراح الأليمة التي أصابت العلاقات بينها، في ظلّ مراجعة نقدية جريئة وصادقة ومنزّهة لا مكان فيها لتبرير أخطاء وخطايا وقعنا فيها، أو لتشهير بعضنا ببعض وتحويل ماضي العلاقات بيننا إلى سجن نبقى أسراه بدلاً من أن يكون مدرسة نتعلّم منها.
وإذا كان التحرّك المباشر للدعوة إلى هذا الملتقى، كما إلى الملتقى المماثل السابق في بيروت في 7/7/2019، هو التصدّي لـ«صفقة القرن» بالأمس، ولخطة الضم الصهيونية اليوم، التي لا ينبغي اعتبار تأجيل الإعلان عنها ــــــ رغم أنّ التأجيل هزيمة لنتنياهو وداعميه في واشنطن ــــــ إسقاطاً لها، فإن المشاركين في هذا الملتقى يدركون، رغم تباين المواقف الفكرية والسياسية بينهم، أنّ لـ«صفقة القرن» مخرجات عديدة تمتدّ من المحيط إلى الخليج، وأبرزها من دون شك هو استمرار الحروب على أقطار والاحتراب داخل أقطار أخرى، حيث أثبتت الأحداث الأليمة التي نمرّ بها جميعاً أن لا أحد من أبناء الأمة قد ربح من هذه الحروب أو الاحتراب، وأنّ الرابح الأكبر هو المشروع الصهيو ــــــ استعماري الذي بدأ بالتجزئة ليستمر بالتفتيت.
ولعلّه من بديهيات القول إنّ البداية الحقيقية لـ«صفقة القرن»، إنما بدأت باحتلال العراق، بعد حصار جائر استمر 13 عاماً. وهم يسعون اليوم إلى تطبيقه في فلسطين وسوريا ولبنان واليمن، وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية في إيران.
ولم يكن من قبيل الصدف أن يعلن جورج بوش الابن، بعد إتمام مهمّته في الحرب على العراق عام 2003، أنّ مشروع الشرق الأوسط الجديد قد بدأ تنفيذه، والذي هو في نهاية الأمر نسخة مبكرة عن «صفقة القرن». فلكلّ حاكم في الولايات المتحدة، أو دول الغرب الاستعمارية، مشروعه لـ«صفقة القرن» باسم حلف من هنا، أو مشروع من هناك، أو قانون من هنا أو مخطّط من جهة ثانية.
من أوّل مخرجات الصفقة والضم، التي باتت واضحة للأردنيين عموماً، ملكاً وحكومة وشعباً، هو أن يدفع الأردنيون، مع الفلسطينيين، الثمن المباشر للصفقة المشؤومة ولخطة الضم، وهو ما يتطلّب تنسيقاً قوياً ومتواصلاً بين الأردن وفلسطين، وتماسكاً شعبياً داخلياً يمنح القيادة الأردنية قدرة أكبر على المواجهة.
يتقدّم هذه المخرجات، أيضاً، ما يشهده لبنان من ضغوط وحروب وحصار تستهدف تجريده من مصادر قوّته، والمتمثّلة في وحدة شعبه ومقاومته الباسلة، التي حقّقت في سنوات انتصارات عجزت عنها حكومات ودول وجيوش. كذلك، يتقدّم هذه المخرجات ما تشهده سوريا من حرب عليها وفيها، واعتداءات صهيونية وأميركية متواصلة، وصولاً إلى «قانون قيصر» الذي يدّعي «حماية المدنيين في سوريا»، فيما المتضرّر الأكبر منه هو الشعب العربي في سوريا، الذي يدفع أغلى الأثمان بسبب هذه الحرب الظالمة المفروضة عليه منذ عشر سنوات. وكلّ ذلك بسبب مواقفه القومية التحرّرية التاريخية تجاه قضايا الأمة، وفي طليعتها قضية فلسطين التي شكلت سوريا على الدوام العقبة الكأداء في وجه محاولات تصفيتها، كما شكّلت السند المباشر لكلّ حركة مقاومة في وجهها.
من مخرجات هذه الصفقة، أيضاً، ما تشهده مصر من استهداف مباشر لأمنها المائي، من خلال سد النهضة، وأمنها الوطني من خلال الإرهاب في سيناء، وأمنها القومي من خلال ما يجري في ليبيا... وهذا الاستهداف لا يمكن مواجهته إلا بتعزيز الالتفاف العربي والإسلامي حول مصر، وبذل كل جهد ممكن لتعزيز الجبهة الداخلية في القطر العربي الأكبر. والحرب في اليمن، أيضاً، سواء من خلال ما يتعرّض له شماله من عدوان وقصف وتدمير وحصار، أم ما يتعرّض له جنوبه من احتراب بين حلفاء، تستخدم أيضاً في إطار خدمة «صفقة القرن» ومعاقبة شعب عظيم، كان وسيبقى متمسّكاً بفلسطين وكل قضايا أمته.
أما تحويل الساحة الليبية إلى ساحة حروب إقليمية ودولية، فليس هدفه فقط تدمير بلد عربي، كان شعبه وما زال حريصاً على عروبته وإسلامه وحريته وكرامته، وهي حرب بدأت مع الغزوة الأطلسية قبل تسع سنوات، لتستمر اقتتالاً لا يهدد الأمن الوطني لليبيا فحسب، بل هدفها أيضاً استهداف الأمن القومي لشمال أفريقيا، وغربها، ولا سيما مصر ودول المغرب العربي التي تسعى المخططات الاستعمارية إلى إشعال كلّ أنواع الفتن في ربوعها.
أما دول الخليج والجزيرة العربية، فهي ليست بعيدة عن دائرة الاستهداف، بل إنّ المشروع الصهيو ـــــ استعماري يدفع إلى إغراق بعضها في سياسات محلية وعربية وإقليمية، لن تؤدي إلا إلى تبديد ما تبقى من مواردها، وابتزاز أكبر قدر ممكن من أموالها، وإشعال الاضطرابات في داخلها، ودفعها إلى أن تكون القاطرة الأولى في قافلة التطبيع الذي هو في رأس أهداف «صفقة القرن» المشؤومة.
ولعلّ ما يشهده السودان اليوم من استغلال مطالب مشروعة في الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، من أجل إيقاعه في مهاوي الصراع الداخلي، والتفكّك الوطني، والتطبيع مع العدو، ليس بعيداً عن مخرجات «صفقة القرن» وأهدافها الخبيثة.
بالتأكيد، تبقى تصفية قضية فلسطين هي الهدف، والغاية من هذه الصفقة، والمدخل من أجل ترسيخ التجزئة وتعزيز مشاريع التفتيت في المنطقة، وهو ما يتطلّب تعزيز التوجّه المبارك لتجاوز الانقسام المدمّر للمشروع الوطني الفلسطيني، وتوحيد الطاقات والجهود الفلسطينية لإطلاق انتفاضة كبرى لن تؤدي إلى سقوط «صفقة القرن» ومخرجاتها فقط، بل تؤدي إلى دحر الاحتلال عن الأرض الفلسطينية المحتلة وعاصمتها القدس.
وإذا كانت مواجهة «صفقة القرن» ومخرجاتها مهمة الأمة بكل أقطارها، فإنّ الرد الشامل عليها يكمن في تبنّي معادلة الخلاص التي أعلنّاها بعد احتلال العراق، والتي تقوم على ميمات أربع: 1 ـــــ مقاومة احتلال الأرض والإرادة. 2 ـــــ مراجعة التجارب والعلاقات بين أبناء الأمة وقواها وتياراتها لنطوّر الإيجابي منها، ونتخلّص ممّا علق بها من شوائب. 3 ـــــ مصالحة تبني للمستقبل وتخرجنا من سلبيات الماضي. 4 ـــــ فمشاركة تسمح لكل أبناء الوطن بالمساهمة في تقرير مصيرهم.
«صفقة القرن»، إذاً، ليست المشروع الصهيو ــــــ استعماري الوحيد الذي واجهته الأمة، ولا تزال، ولن يتوقف الأعداء على إخراج مشاريع مماثلة من أجل سحق أمّتنا والقضاء على مستقبلها وآمالها، وتحويلها من أمّة قائدة في الإنسانية إلى أمة تابعة وذيل للدول الاستعمارية. ومقاومة هذه الصفقة اليوم، بكلّ مخرجاتها، وفي مقدّمها خطّة الضم الصهيوني، تكون بالاستمرار في مقاومة المشروع الصهيو/ استعماري الممتد منذ عشرات السنوات، وفي وحدة الأمة بكل أقطارها وتياراتها، فحيث كانت هذه الوحدة تتوفر، كانت المقاومة تنتصر، وحيث كانت تتعثر كانت المقاومة تتراجع. من هنا، يكتسب ملتقى «متّحدون» كخطوة على طريق توحيد الرؤى والجهود، أهمية استثنائية في ظروف استثنائية.

* كاتب وسياسي لبناني