لا يتوقعنّ أحد أن يؤدّي التطوّر الاقتصادي في بلدان الجنوب الفقيرة إلى التقليل من الهجرة، بل بالعكس، فوجوب انتقال الناس من مكان إلى آخر هو شيء متأصّل في الرأسمالية كنظام. من الضروري أن نفهم الآليات الأساسية الفاعلة في الهجرات البشرية الكبرى التي حصلت في العقود القريبة.

إنّ وجود جيش عمّالٍ احتياطيّ متنقّل هو أحد أهم شروط الإنتاج القائم على الربح. تعود بدايات ذلك إلى وقت مبكر خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حين شكّلت عملية التحضّر الكبيرة، وحجم البطالة الهائل، في الغرب، الأساس لاستغلال رأس المال للقوة العاملة في الجنوب. وهذه العلاقة لم تأتِ مصادفة، إنّما هي نتيجة للصراع الطبقي العنيف الذي دعاه ماركس بالتراكم الأصلي لرأس المال، واعتبره شرطاً للنشوء التاريخي لرأس المال ولانتشاره التالي حول العالم. إنّ الدور الرئيسي الذي يؤدّيه العنف والدولة معاً في هذه العملية، قد يكون المثال الأكثر وضوحاً على فكرة أنّ الدولة، والتساهل الرسمي مع العنف، كانا ضروريين لخلق، وإدامة، الظروف السياسية والطبقية المناسبة للنظام الرأسمالي.
بعد الحرب العالمية الثانية، قادت التسويات الطبقية في القسم الغني من العالم إلى رأسمالية منظَّمة. كان هدف السياسة هو التوافق بين مطالب الربح الرأسمالية، والتشغيل الكامل للعمالة، وزيادة الرفاهية الاجتماعية، وتقليل الفوارق الطبقية. وعندما لم يعد هذا التوازن ممكناً وتعرّضت الأرباح للتهديد، شنّت الطبقة البورجوازية هجومها المضاد، وبإسناد من أهم أسلحتها: قوة الدولة. وكانت أفكار النيوليبرالية حول فضائل رأسمالية السوق العشوائية، هي البنية الفوقية الأيديولوجية لهذا الهجوم المضاد. وحين قامت مقاومة عمالية لهذا الهجوم، تمكّنت الدولة البورجوازية من كسرها، وأدخلت القوانين الجديدة والقواعد التي فتحت الطريق أمام اللعب الحر لقوى السوق: فسحقت حكومة تاتشر مقاومة عمال المناجم في أواسط الثمانينيات، وفعل ريغن الشيء نفسه مع مراقبي الحركة الجوية الأميركيين. وقلبت هاتان الهزيمتان ميزان الصراع الطبقي لصالح البورجوازية في البلدين، وسيكون هذا طليعة الانتشار العالمي للهجمة النيوليبرالية.
ما فعله ذلك الاكتساح العالمي للنيوليبرالية، هو أنّه نشر «التراكم الأصلي لرأس المال»، الذي تكلّم عنه ماركس، إلى بلدان الجنوب. صحيح أنّ بدايات هذه العملية تعود إلى القرن التاسع عشر، عندما أُجبر ملايين الفلاحين الهنود على العيش كعمّال زراعيين وزراع قطن مأجورين، إلا أنّ العملية عُمّمت الآن لتشمل كامل القسم الجنوبي من العالم. هكذا تم خلق الطبقة العاملة الفاقدة للمأوى، التي كانت ولا تزال شرطاً لنقل الصناعة من العالم الغني. ومرة أخرى، كانت القبضة الحديدية للدولة ــــــ وبشكل أكثر تحديداً، للدولة القومية الأميركية ــــــ هي التي سحقت المقاومة ضد هذه العملية، ومهّدت الطريق للعب الحر لقوى السوق: بدأ هذا في أميركا اللاتينية بانقلاب 1973 في شيلي، واستمراراً في الانقلابات العسكرية في الأرجنتين والبرازيل. وكان الهدف هو تحطيم محاولات التنمية الاقتصادية المستقلة، تلك المحاولات التي تواصلت في تلك البلدان ــــــ مع بعض الانقطاعات ــــــ منذ الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1979، قرّر رئيس البنك المركزي الأميركي بول فولكر، أن يضع نقطة النهاية على كلّ محاولات إحداث تنمية مستقلّة في جنوب العالم. كانت غالبية دول تلك المنطقة مثقلة بالديون. بعضها اقترض من أجل مشاريع التصنيع الطموحة، وبعضها اقترض لتمويل التسليح، لكن مهما كانت أغراض الاقتراض فقد فرضت على تلك الدول أعباء فوائد بعدة أضعاف القيمة الأصلية، ولم يكن أمامها خيار لكي يستمر القرض سوى القبول بشروط واشنطن والبنك الدولي.
التخلّص من القواعد القانونية، التجارة الحرّة، تقليص الخدمات الاجتماعية: صارت هذه هي العناوين التي تسم زمننا هذا. والدول التي دخلت في هذه السياسة تلقّت وعوداً بمستقبل مشرق، بينما الواقع يزداد جفافاً وجدباً، والملايين من صغار الفلاحين وصغار المستثمرين يخسرون معيشتهم. بين عامي 1980 و2017، زاد تعداد الطبقة العاملة العالمية من حوالى 1,9 مليار إلى حوالى 3,5 مليارات إنسان (في الوقت نفسه الذي زاد عدد سكان العالم من 4,3 مليارات إلى 7,4 مليارات نسمة). وصار التطور الاقتصادي يتباين أكثر فأكثر: فتطوّرت بعض القطاعات والأقاليم، بينما تأخّرت أخرى وتُركت لمصيرها، وشهدت البطالة قفزة في الزيادة وسقطت مجاميع كبيرة من السكان في هوّة الفقر. والنتيجة التي أدى إليها هذا «التراكم الأصلي لرأس المال» بنسخته المعاصرة، في الجنوب، هي نفسها التي أدى إليها في نسخته الأولى في أوروبا: أن يحصل البعض على عمل بأجر منخفض وظروف عسيرة، فيما البعض الآخر يهاجر، سواء إلى المدن الكبرى أو إلى خارج البلاد. في عقد الثمانينيات، كانت المدن الكبرى في العالم هي حواضر «العالم الأول» كنيويورك ولندن وطوكيو، أما اليوم فصارت المدن الكبرى تقع في الجنوب مثل لاغوس، كنشاسا، دلهي، دكا، كراتشي. إنها مدن الأحياء الفقيرة، مدن سريعة النمو ويصعب فيها الحصول على عمل.
إنّ الموجات المجهولة من المهاجرين إلى الدول الغنية في الشمال هي نتيجة أخرى لهذا التطور. ولدينا في اتفاقية التجارة الحرّة بين المكسيك والولايات المتحدة (1992) مثال واضح. فقد سُوّقَت هذه الاتفاقية على أنّها وسيلة لخلق مزيد من فرص العمل للمكسيكيين وتقليل الهجرة إلى الولايات المتحدة. ووعد الرئيس المكسيكي كارلوس ساليناس دي غورتاري: «لن يعود المكسيكيون بحاجة إلى الهجرة شمالاً والبحث عن أشغال... فهم سوف يتمكّنون من الحصول عليها في المكسيك». وجاءت النتيجة على العكس من ذلك. صحيح أنّ بعضاً من منشآت التصنيع قد تم نقلها من الولايات المتحدة إلى مصانع التجميع الشهيرة ماكويلادورا (وهي مشروع أميركي ــــــ مكسيكي مشترك يقوم على تصنيع بضائع معفاة من الجمارك ومخصصة للتصدير إلى الولايات المتحدة)، التي تشغل العمّال بأجور منخفضة وظروف عمل قاسية، إلّا أن الأعمال التي خلقت هناك كانت كلفتها خفيفة جداً بالمقارنة مع تسونامي الدمار الذي لحق بالزراعة المكسيكية: فما إن اختفت الجمارك وفق مشروع ماكويلاروا، حتى تمّ إغراق المكسيك بالذرة الرخيصة الثمن التي تنتجها مزارع أميركية ضخمة عالية الإنتاجية ومدعومة من الدولة، فخسر ملايين الفلاحين الصغار المكسيكيين معاشهم واضطرّوا إلى الرحيل إلى المدن طلباً للعمل، وغالباً لا يحصلون عليه، وزادت أعداد المهاجرين المكسيكيين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة بـ144 في المئة في أقل من عشر سنوات، من 4,8 ملايين مهاجر عام 1993 إلى 11,7 مليون مهاجر عام 2002. كذلك، زادت الهجرة الداخلية بشكل حادّ، فقد كبرت مدينة مكسيكو سيتي بسرعة فائقة، والآن تضم أكثر من عشرة ملايين مواطن.
هذا هو التفسير لظاهرة حيّرت العديد من باحثي شؤون الهجرة في الوقت الحاضر. وكما هو واضح أعلاه، لا يبدو أنّ التطوّر الاقتصادي بالطريقة السائدة اليوم يقلّل من الهجرة، بل إنه يزيد من الهجرة. تقول الإحصاءات إنّ هنالك 71 بلداً نهضت من حالة الدخل المنخفض إلى حالة الدخل المتوسط، ولكن 67 بلداً منها شهدت زيادة في هجرة أبنائها. فليست الزيادة السكانية بحدّ ذاتها هي التي تؤدي إلى زيادة الهجرة، وإنما نموذج التطور الرأسمالي هو الذي يحرم الملايين من سبل العيش ومن أي أفق مستقبلي.
في كتاب صدر في شباط / فبراير الماضي، ونال شهرة يستحقّها، توقّع الصحافي ستيفن سميث هجرة جماعية من أفريقيا إلى أوروبا على مدى السنين الثلاثين المقبلة. ويبدو أنّ توقّعاته تستند إلى حقائق صلبة: فهيئة الأمم المتحدة تقدّر أنّ سكان أفريقيا سيزيدون من 1,7 مليار نسمة (2017) إلى 2,5 مليار نسمة سنة 2050، وإلى 4,4 مليارات نسمة سنة 2100؛ وفي الوقت نفسه ستواصل الاقتصادات الأفريقية تطوّرها، وسيتاح لعدد متزايد من الناس الرحيل خارج البلاد. يدفع سميث بأنّ ذلك سيؤدي إلى هجرة جماعية، وأنّ ما بين 20 ــــــ 25 في المئة من سكان أوروبا سيكونون من أصول أفريقية، بعد حوالى 30 عاماً (بالمقارنة مع 1,5 ـــــ 2 في المئة سنة 2015). ولهذا، وصف الرئيس الفرنسي ماكرون الكتاب بأنه «وصف متكامل للقنبلة الديموغرافية الموقوتة في أفريقيا».
كما نرى، تطالب جميع الدول المحكومة بالرأسماليين اليوم بإغلاق الحدود وتشديد سياسة الهجرة. ولا تحتاج إلى أن تكون عبقرياً لتفهم السبب: إنّ تجريم المهاجرين في البلد الغني، سيخلق منهم بروليتاريا تحت الطلب وهو ما سيساهم في تخفيض الأجور وشروط العمل في البلد حتى للمواطنين. وبالإضافة إلى ذلك، ستؤدي الهجرة الجماعية من الجنوب إلى ارتفاع الأجور هناك فتهدّد ــــــ بذلك ــــــ الأرباح في الصناعة التحويلية التي أقامها للجنوب ذاتُ الرأسماليين المعولمين. الحقيقة هي أنّ الحدود المغلقة اليوم تجعل من الممكن لرأس المال المعولم أن يصبح أكثر قسوة على نحو متزايد سواء في الجنوب وفي الشمال. إنه وضع يكسب فيه الجميع!
فقط كسْر التطور الرأسمالي في الجنوب هو القادر على تقليل تدفّق المهاجرين إلى الدول الغنية تقليلاً جذرياً. وبالمبدأ نفسه، يتعيّن وضع حدّ لسياسة التقشّف الاجتماعي النيوليبرالية في الدول الغنية، لكي تكفّ المجاميع السكانية الكبرى هناك عن النظر إلى المهاجرين كمنافسين لهم على كعكة ما تنفك تنكمش باستمرار. أما على المدى الطويل، فإنّ تنظيماً مجتمعياً يغلّب الحقوق الاجتماعية على محاباة البورجوازيين، وتنميةً شاملةً لكلّ الجوانب في الشمال وفي الجنوب، قادران معاً على أن يجعلا الهجرة الجماعية أمراً غير ضروري و / أو غير معقّد.

* كاتب وناشط سويدي، عضو هيئة تحرير مجلة كلارتي.
** ترجمة سمير طاهر