نجم الأسبوع المنصرم كان، ولا ريب، قانون «قيصر» الصادر عن الكونغرس الأميركي، والذي بدأ تطبيقه ضمن تصعيد عقوبات أميركية ضد سوريا، يوم الأربعاء الماضي. وقعُ ذلك أيضاً بالنسبة إلى لبنان، في سياق تصعيد أميركي متواصل لتطويق حزب الله، وإسباغ صفة «الإرهاب» عليه، ومحاولة فرض مواقف مماثلة من الحزب، على حلفاء واشنطن الغربيين، أثمر، حتى الآن، في لندن وبرلين وأمستردام...

واشنطن، التي أعلنت مع تل أبيب، مشروع «صفقة القرن» لتصفية كل حقوق شعب فلسطين، تخوض مستلزمات إنجاح هذا المشروع، في حلقته اللبنانية أيضاً، بكثير من المثابرة والعناية والدقة. الأزمة الاقتصادية هي الموضوع الذي اختارته أداة للعبور منها إلى تحقيق هدفها المشترك مع تل أبيب. استلزم ذلك أن ترعى الإدارة الأميركية عملية دفع هذه الأزمة إلى أقصى درجات التأزّم، عبر الإمساك بمفاتيح رئيسية في المنظومة النقدية والمالية، وعبر تشجيع الفساد والنهب، وعبر حجب كل أنواع المساعدات عن لبنان (من بينها ما كان يأتي من دول الخليج الواقعة تحت الوصاية الأميركية)... ترافق ذلك مع سلسلة عقوبات ضد مصارف وأشخاص وكيانات، وصولاً إلى ما هو معوَّل عليه في «قيصر» من خنق لبنان، عبر فصله عن رئته الطبيعية سوريا، وإثارة قطيعة وصراع بينهما، واعتبار العلاقة مع دمشق سبباً كافياً لتجويع اللبنانيين من دون رحمة أو مبرّر موضوعي!
ترافق ذلك مع حملة شرسة سياسية وإعلامية، لتصوير أنّ سوريا و«حزب الله» هما سبب الأزمة، وأنّ حلّها لن يكون بغير نزع سلاح هذا الحزب، وبغير مشاركة لبنان الرسمي والشعبي في حصار سوريا حتى... الاختناق والإذعان! ينبغي الاعتراف بأن الحملة الأميركية قد وجدت لها صدىً كبيراً في أوساط سياسية وشعبية. وهي جنَّدت قوى حليفة تقليدياً لواشنطن، فضلاً عن منابر إعلامية، لترويج ادعاءاتها وتبني أهدافها حتى لو كان بعضها تكراراً فجاً ووقحاً لمطالب إسرائيلية مباشرة. طبعاً، الشارع ميدان رئيسي للصراع وللتأثير. لذلك بكَّرت واشنطن وحلفاؤها في حجز مكان في «انتفاضة 17 تشرين الأول»، حيث كان اختبار 6/6 الجاري محطة أساسية فيه، وإن لم يأتِ على قدر التوقعات، إلّا أنه لن يكون الأخير، بالتأكيد، عبر اختبارات لاحقة (ربما أكثر عنفاً وتصعيداً).
في امتداد ذلك، ينبغي ملاحظة أنّ القوة الأساسية المستهدفة، لا تملك منظومة اقتصادية مدعمة لمنظومتها العسكرية. إلّا ما هو متاح عبر تحالفاتها الثابتة، خصوصاً، داخل السلطة. والحال أنّ هؤلاء الحلفاء شركاء أساسيون في منظومة المحاصصة، وما يترتّب عليها وبسببها من هدر ونهب وفساد. فإنّ الوضع يصبح أصعب في مواجهة تداعيات كوارثية، قد تصيب بخطر الجوع الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. معروف أنّ «المقاومة» في صيغتها الراهنة، تفتقر إلى تصوّر جذري بشأن معالجة أزمات لبنان الاقتصادية. وهي، ربما أيضاً، قد اطمأنّت إلى ما توفَّر في وضع لبنان السابق من عوامل يمكن استثمارها. كان ذلك سبباً إضافياً لاعتماد المقاومة خطة الانسجام مع النظام السياسي والاقتصادي القائم، بل والسعي باستمرار للمحافظة عليه خصوصاً عبر قوانين الانتخاب، وعبر إدارة الظهر للإصلاحات الدستورية التي أقرّت في «الطائف» عام 1989.
في الأزمة، مارست المقاومة مثل غيرها، رغم الهواجس والقلق، سياسة شراء الوقت والتأجيل. أدركت واشنطن كلّ ذلك، وانخرطت في خطة ضاغطة وفاجرة لإفلاس البلد وتخيير اللبنانيين بين المقاومة والجوع. الصهاينة بدورهم الذين يلاحظون بفرح غامر تدهور الوضع العربي وغرق عدد مهم من بلدانه في حروب أهلية مدمّرة، يحاولون في هذه المرحلة جني أكبر قدر ممكن من المكاسب: الجغرافية والسياسية والأمنية... وهم قد اختبروا الفائدة العظيمة التي جنوها من الصراعات في المنطقة: أولاً بتراجع الصراع العربي الإسرائيلي إلى مرتبة ثالثة أو رابعة، حتى بالنسبة إلى قوى ما زالت تعارض المشروع الصهيوني والهيمنة الأميركية، وفُرضت عليها أولويات أخرى. الطابع المذهبي الذي يطفو بقوة على السطح في مشهد الصراع الإقليمي، جرى استثماره إلى الحد الأقصى في تسريع عملية التطبيع مع العدو الصهيوني، خصوصاً من قبل عدد من دول الخليج التي تسعى إلى إقامة تحالف مكشوف معه بذريعة مواجهة «المشروع الفارسي».
لا يخفى أنّ واشنطن تدفع باتجاه تعطيل دور المقاومة عبر إغراقها في الأزمات والفوضى وانعدام الأمن وتفشّي خطر المجاعة، وصولاً إلى تشجيع صراع أهلي عنيف مفتوح على الانقسامات التقليدية والعصبيات الموروثة، وإلى طرح مشاريع الفدرلة وحتى التقسيم... وهي بذلك تحقق مطلباً صهيونياً إضافياً في تجنّب صراع عسكري مع المقاومة، لن تخرج منه إسرائيل بدون خسائر فادحة. بل قد تخرج مهزومة على غرار ما حصل في عام 2006.
لن تدوم الاستثناءات إلى الأبد. ثم إنّ دوام الاستثناءات في لبنان، كان علامة سلبية وأحياناً مدمرة كما حصل بالنسبة إلى الطائفية وتكريسها وتعميمها خلافاً للنصوص التي شددت، منذ التأسيس إلى اليوم، على طابعها المؤقت خصوصاً في دستور «الطائف» الذي تواطأ الجميع على تعطيل إصلاحاته في موضوع إلغاء الطائفية السياسية تحديداً.
لا أقلّ من إعادة تأسيس يحتاج لها لبنان. جوهر ذلك تحرير نظامه من المحاصصة الطائفية والمذهبية وإقامة دولة مدنية أساسها المواطنة المتساوية بعيداً عن التمييز والامتيازات. المقاومة في المرحلة الجديدة، مشروع تحرّري متكامل في شقّيه الوطني والاجتماعي. هذا ينطبق على الدول، كما على المنظمات، في النطاق العربي والشرق أوسطي الواسع. لن يحصل ذلك بدون مراجعة تقود إلى خلاصات جوهرية بشأن التجارب السابقة في نجاحاتها وإخفاقاتها.
* كاتب وسياسي لبناني