«يسرقون رغيفك ثمّ يعطونك منه كسرة ثمّ يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم، يا لوقاحتهم»
غسان كنفاني



هذا هو النهج الذي تتعامل به السلطة مع جامعتنا الوطنية. عند هذه النقطة نريد التوضيح للسلطة ولشعبنا الرؤية التي تكتنف تحرّكنا الطلابي. نحن اليوم لا نناضل فقط لصون الشخصية المعنوية المستقلّة لجامعتنا الوطنية، بل لصون ما يتطلّبه هذا الاستقلال من بنية وثقافة سياسية مواطنية تصون وجوده واستمراريته. تنظر السلطة، بمؤسساتها الإدارية والسياسية والمصرفية، إلينا (لبنانيين ووافدين ولاجئين وعُمالاً من كافة الجنسيات)، على أننا أقليات طائفية زبائنية موجودة لاستهلاك إنتاجها الوظيفي والسلعي والخدماتي دونما مُساءلة أو اعتراض. وإذا ما سُمح بالاعتراض فهو لتعديل تفصيل مادي أو معنوي، لا لنقض منطق هذه البنية وشرعية تكوينها البرجوازي ذي اللبوس الطائفي. وهذا ما تشهده الساحة اللبنانية اليوم من احتجاجات مطلبية لا تتعدّى فكرة التعويض أو الأجر أو الرُّتبة بقيمتها الماديّة الضيقة، من دون أن تتطرّق للجذر البنيوي الذي شرَّع للسّلطة اعتداءها على حق الشعب بالحياة الكريمة.
ورغم بعض التقاطعات الشكلية، إلا أن حراكنا الطلابي ينبغي ألّا يكون شبيهاً بهذه الموجات المطلبية، وألا يُحَجَّم بصيغة مطلبية. نناضل لصون جامعتنا كمؤسّسة وطنية تكسر احتكار عملية الإنتاج المعرفي من قِبل القطاع الخاص المَحمي بجيوب رجالات السلطة. نناضل ضدّ إرهاب السلطة وسياسة الصمت والتطبيع التي سلبت منا، لعقود، ثقافة الفعل السياسي الواعي القاضي بالاعتراض والمساءلة. نناضل لإعادة تعريف أنفسنا كشعب، لا كمجموعة أقليات زبائنية استهلاكية. نناضل لإعادة الاعتبار للفعل الجماهيري الواعي على أنه مركز لصنع القرار لا الرضوخ له. نحن هنا لنُذكِّر كلّ أبناء شعبنا أن الشارع، كما الصرح الجامعي، مساحة لإنتاج المعرفة الجماهيرية النقيضة لمنطق السلطة التعسفي.
أساتذة الجامعة جزء لا يتجزّأ من نضالنا. لكننا، نحن الطلاب، نسعى لأن نرتقي بالمخاض النقابي المطلبي لأساتذتنا، فلا نكتفي بنقد السياسات المالية للطغمة الحاكمة، بل نسعى إلى تحويل هذه الموجة إلى حركة سياسية واعية تؤسّس لثقافة الفعل الجماهيري والتعاضد الطبقي العابر والمكمّل لأطر التعاضد المهني الأضيق. لطالما أُخمدت انتفاضاتنا الجماهيرية باسم «الواقعية السياسية» و«هذا أفضل المُمكن». وفي هذه اللحظة التاريخية لن نرضى بهذا الخطاب التبعي المُهادن. عملية تغييب العلاقة الطبقية بين السلطة والشعب هي التي تغذّي منطق السلطة العامل على توسيع مشاريع الاحتكار والخصخصة وتهميش القطاع العام. نريد من خلال فعلنا السياسي أن نذكّر مختلف شرائح شعبنا وما تبقى من قواه الوطنية التقدمية أن نضالنا الطلابي اليوم يطمح لأن يكون رافعة لتكوين مشروع وطنيّ، يجعل من مواطنيّة الفرد صلة الوصل الوحيدة بينه وبين دولته وسلطاتها، محققين بذلك وجوداً اجتماعياً قائماً على الوحدة والعدالة الاجتماعية، كما طرحته مقاربات الأستاذ في الجامعة اللبنانية الشهيد المُفكر مهدي عامل.
تسعى حركتنا الطلابية، في ما يتعلق بالمطالب المبدئية والآنية، إلى الامتثال لجميع مطالب الأساتذة التي بدأ الإضراب الجاري لأجلها، وزيادة موازنة الجامعة والتأكيد على شخصيتها المعنوية (استقلالها المادي والمعنوي)، ومحاسبة المسؤولين عن عمليات الهدر والفساد المالي والإداري، ومعالجة أزمة البنى التحتية والمتطلبات اللوجستية في الجامعة.

نناضل لإعادة الاعتبار للفعل الجماهيري الواعي على أنه مركز لصنع القرار لا الرضوخ له


أما المهام الواجب العمل بها ضمن الظروف الموضوعية الراهنة، فهي توحيد جسمنا الطلابي الجامعي في فروعه كافّة ضمن عمل تنظيمي وحدَوي يواجه سياسة الترهيب التي تنتهجها إدارة الجامعة الممثِّلة للسلطة منذ التسعينيات، عبر إطار طلابي مستقل عن أحزاب السلطة الطائفية، وإنشاء لجان طلابية رقابية معنيّة بالشؤون الإدارية والتربوية، وإحياء الحياة الديمقراطية التمثيلية للجامعة بحلّ مجالس الفروع غير المنتخبة (منذ أكثر من 10 سنوات) لتحرير مؤسستنا التعليمية من منطق الهيمنة التي تنتهجها أحزاب السلطة وسلوكياتها الإقصائية الميليشياوية، وإجراء انتخابات طلابية نزيهة، والرقابة على حسن سير وتطبيق المناهج التعليمية في مختلف الفروع.
في الختام، نطمح إلى إعادة تأسيس اتحاد الطلبة اللبناني كجسم طلابي سياسي يعمل ضمن هياكل ومبادئ ديمقراطية شاملة، ويكون معنياً بالشؤون التعليمية والسياسية والاجتماعية لكافة الطلاب.
نعي أن حركتنا الطلابية جزء من سيرورة حركات جماهيرية سبقتنا في نصف العقد الثاني من القرن الماضي، بقيادة أساتذة وعمّال وطلبة وفلاحين وصيادين. وسنستمر في كسر ثقافة الصمت التي تدأب السلطة الطائفية على إرسائها. لن تسكت حركتنا الطلابية حتى تعود الجامعة الوطنية ملجأ لفقرائنا وأحرارنا، ولن يقف نضالنا عند أعتاب جامعتنا لأن النضال ضد سياسات السلطة الاحتكارية معركة وجودية تُحتّم علينا تحديد هوية الخصم وطبيعة الصراع من خلال مُقاربات علمية. ولا مجال للمقاربة العلمية سوى أن تكون ثورية، فالتحدي قائم والمسؤولية تاريخية.
* طالبة جامعية