في كتابه المنشور نهاية السبعينيات ـــ «الاستشراق» ـــ يشرح الكاتب الفلسطينيّ الكبير، إدوارد سعيد، انطلاقاً من رسومات القرن التاسع عشر وآدابه، كيف أنتجت الدول الغربيّة سرديات وصور واستيهامات مطابقة لحاجات الاستعمار والإمبرياليّة. في مدوّنة هذه الأيديولوجيا التي يسمّيها «الاستشراق»، يحدّد إدوارد سعيد ثلاثة حقول رئيسية متداخلة: مجالات البحث الجامعيّ، الدبلوماسيّة والإعلام. على غرار كتاب «صراع الحضارات» (1996) الشهير لصامويل هنتنغتون، يبنى الاستشراق على تصوّر «جوهراني» يكون وفقه الشرق والغرب عالمين مختلفين ومنفصلين جذريّاً من الناحيتين الأنطولوجيّة والابستيمولوجيّة، لأنّ لهما «طبيعتين» متناقضتين، وبالتالي يستحيل التوفيق بينهما.

بعد رواجها خلال الثمانينيّات، بُعثت روح جديدة في الأيديولوجيا الاستشراقيّة خلال العشريّة اللاحقة بوصفها تحيل على المدرسة الأميركية المحافظة - الجديدة التي وصلت ذروتها مع الغزو الأنغلو - أميركي للعراق ربيع عام 2003. انطلاقاً من هذا الموعد المفصليّ، رُحّلت المدرسة المحافظة - الجديدة وأسسها الاستشراقيّة. في أنقاض الشيراكية المنتهية، اكتسح أبله «محافظ جديد» فرنسيّ وزارة الخارجيّة. بمهارة، رُتّب هذا السطو على يد ثالوث معروف: جيرار إريرا (كاتب عام سابق لوزارة الشؤون الخارجيّة، انتقل بين ليلة وضحاها إلى مجلس صندوق الاستثمار الأميركي بلاكستون)؛ جيرار أرو (سفير غير قابل للعزل لدى الولايات المتحدة ينشر تغريدات في «تويتر» على نحو أسرع من ظلّه) وميشال ميرايي (الذي كان توّاقاً لقصف إيران، وهو يشغل حاليّاً وظيفة في برازيل بولسنارو، ذلك يناسبه!)
منذ قمّة الثماني في إيفيان (حزيران 2003)، أغار المحافظون الجدد الفرنسيون (الذين أطلق عليهم رفاقهم تسمية الطائفة أو الزمرة) على وزارة الخارجية (1). لا يعني ذلك فقط اختيار وتعيين (بعضهم البعض) على رأس سفاراتنا الأكثر أهميّة، بل أيضاً احتكارهم البحث الجامعي، أو التنظير للعلاقات الدوليّة، خاصّة عبر «مركز التحليل، الاستشراف والاستراتيجيا» الذي يرأسه واحد منهم: جيستان فاييس، المختصّ في الولايات المتحدة. في ذات الوقت، اقتربت مراكز البحث الفرنسية الرئيسية (التي تبحث دائماً عن تمويلات) من مموليهم: خاصّة المغرب، السعودية، الإمارات المتحدة، وقطر). حظيت هيئة تحرير موقع «بروش أوريان» سابقاً بفرصة تفكيك رحلات بعض هؤلاء الأبطال السلبيّين: سان بونيفاس المتلوّن، مسؤولة التلميع أنياس لوفالوا التي ترى أنّ الزبون دائماً على حقّ، ميشال دوكلو الذي يحلم برمي بشار الأسد في حفرة دببة برن، المؤرّخ المزعوم جان بيار فيليو، المفوّض السياسي لصالون الكتاب ببيروت هنري لورانس وبعض الأشخاص الآخرين. يوجد «باحث» آخر، وهو دبلوماسي سابق، يحضر في أعمدتنا رغماً عنا: دينيس بوشار، الذي يعيد بانتظام كتابة كليشيهات الأيديولوجيا الاستشراقيّة وهواجس المحافظين الجدد الفرنسيين. متبنّياً نبرة «قصص العمّ توم الجميلة» (2)، تحمل إحدى آخر خدماته، المنشورة على أعمدة المجلّة الممتازة «المدرسة الوطنيّة للإدارة خارج الجدران» (3)، عنوان «شرق أوسط في حالة فوضى». دون التحقّق من الأسس الواقعيّة، تبدأ هذه المقالة المجتهدة بنسب استخدام الأسلحة الكيميائيّة للجيش السوري، في حين أنّ «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» نفسها تبرّئ السلطات السورية من جريمة كهذه. اللآلئ اللاحقة ليست ثقافية، بل جرى اصطيادها في أكبر بحار الاستشراق.
حول الوضع في اليمن: «تحت ضغط الولايات المتحدة، بريطانيا وفرنسا جرت مفاوضات في السويد بين الحكومة الشرعيّة والحوثيّين». كان مارك توين سيقول إنّ هذا مبالغ فيه جداً. إن كانت السعوديّة موافقة على عقد مثل هذه المفاوضات، فإنّ ذلك يعود خاصّة لحالة الإضعاف التي تعرّضت لها المملكة الوهابية بعد التسريبات التي تخصّ اغتيال «الصحافي» جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول.
حول بلد الأرز: «في لبنان، يسود النظام. توقّفت الهجمات، لكن يعود النظام أساساً إلى حزب الله الذي عزّزت نتائج الانتخابات التشريعيّة في أيار نفوذه، والذي يسيطر على جزء مهمّ من البلاد». نواب حركة «الجمهورية إلى الأمام» فرنسيون، كما يبدو، تماماً كما نواب حزب الله لبنانيون. لكن، لا يشكّك أحد في انتماء الأولين إلى المجتمع الفرنسي، لكنّ لبنانية الأخيرين ليست واضحة. تصرّ الأيديولوجيا الاستشراقية على إقامة نقاط ربط بسيطة لهم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو أمر مبالغ فيه، أو خاطئ ببساطة.
مرّة أخرى عن لبنان وحزب الله: «يمثّل جنوب لبنان منطقة حسّاسة، حيث حزب الله متجذّر ويملك ترسانة مهمّة من الصواريخ المتعددة المدى. يمثّل هذه الوضع تهديداً حقيقيّاً لأمن إسرائيل». لا تنسوا الدراجات النارية الجبلية التي تخوّل للقوات الخاصة لحزب الله بحركية أكبر والصواريخ التكتيكية ذات المديين المتوسّط والطويل التي تضع مركز ديمونة النووي في مرمى الحزب. إنّها إحدى زهرات الأيديولوجيا الاستشراقية: أمن إسرائيل فقط هو المهمّ، ولا يمكنهم الادعاء أنّ أمن لبنان وسوريا وبقيّة الجيران العرب مسألة جديرة بالاهتمام.
وحول أمن إسرائيل: «العملية الجارية، «درع الشمال»، التي تستهدف تدمير أنفاق حزب الله، يمكن اعتبارها اجراءً أوليّاً للتصدي للتهديد الذي تطرحه الحركة الشيعيّة». في مقابلة مع تلفزيون «الميادين»، كرّر الأمين العام لحزب الله (حسن نصرالله): «أغلب هذه الأنفاق يتجاوز عمرها 15 عاماً». توجد العديد من الوسائل التكتيكيّة والاستراتيجيّة لضمان الدفاع عن لبنان وأمنه! في الواقع، تهدف العملية الإسرائيلية خاصّة إلى تحويل وجهة آراء معارضي نتنياهو – حيث يتعرّض لاتهامات مؤكدة بالفساد - في الانتخابات القادمة. خلص السيّد نصرالله إلى: «ينتخب الإسرائيليّون دائماً بدمائنا!». حول فلسطين: «في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، فلم يعد هناك جديد...»، نتساءل عن السبب، لكن العمّ بوشار لا يجيب. لكن، يذهل القارئ خاصة بالخطاب الاستشراقيّ للعمّ دينيس: «منذ 2011-2013، حصل تغيّر في النفوذ على حساب المصالح الغربيّة، لفائدة روسيا، الصين وتركيا خاصة. انحدار النفوذ الغربي مرغوب ومتحقّق في الآن ذاته». هنا، يقول الكاتب أكثر من اللازم وأقلّ من اللازم. لم ينزل هذا التطورّ بحبل من السماء، كان من الأجدر شرح الأسباب الفعليّة لهذا الفشل الدبلوماسي التاريخي.
حول الغرب مرّة أخرى: «بصفة عامة، ساهم جبن الغرب وفشله في الملف السوري في تراجع نفوذه». استخدام مصطلح «غرب» ملتبس قدر التباس مصطلحي «المجتمع الدولي» و«المجتمع المدني»، حيث يغطي مسؤوليّات عامة، أو مجرّدة، تسمح بالتغاضي عن أيّ دور وطني والتخلّي عن نقد أخطاء الدبلوماسية الفرنسية، على غرار دبلوماسية آلان جوبيه مثلاً الذي نظّم غلق سفارتنا بدمشق في آذار/مارس 2012. ولا فائدة من الحديث عن دبلوماسية برنار كوشنير ولوران فابيوس اللذين نالا بالفعل شرف أعمدتنا!
زبدة الختام: «هكذا، شهد عام 2018 تشكّل سحب جديدة فوق شرق أوسط تراجع فيه النفوذ التقليديّ للدول الغربية، ومن بينها فرنسا، على المستويين السياسي والاقتصادي. بقي أن نأمل ألّا تتفجّر العاصفة». بشكل حاسم، يظهر العمّ دنيس، ورغماً عنه بلا شكّ، كبطل بروستيّ أصيل (نسبة إلى الروائي مارسيل بروست). من بين الشخصيّات الكثيرة في رواية «بحثاً عن الزمن المفقود»، تحوّل الماركيز دي نوربوا إلى نموذج كاريكاتوري للدبلوماسية، أكثر حتى من الشكل الذي رسمه عليه المؤلف. سفير سابق وعضو في المؤسسة الحاكمة، معادٍ لدرايفوس ثم مساند للحرب، صديق والد الراوي الذي يقدم إليه المشورة حول استثماراته، يتناوب ظهوره في عمل بروست كعالم، متنطّع، سطحيّ ودمث، متعاظم واجتماعي. بعيداً عن صورة بعض دبلوماسيي الجمهوريّة الثالثة، فقد صار، مع الزمن، نموذجاً لجميع الشرور التي أصابت الدبلوماسية الفرنسية.
دبلوماسيّة مسكينة تستحقّ تقييماً عميقاً، يسمح بأن نفهم كيف ولماذا وصلنا إلى هذا الحال في الشرق الأدنى والأوسط، الذي أقصت فرنسا نفسها منه. بلا شكّ، يتحمّل جميع نوربوايات وزارة الخارجية مسؤوليّة كبرى. مسؤولو سياستنا الخارجية – في الإليزيه، في الأجهزة ومراكز البحث - جزء من هؤلاء الخداعين، الذين نسوا مصالح فرنسا الحيويّة. قد يقول لنا المؤرخون يوماً ما أسباب وميكانيزمات هذه اللعنة.
* كاتب فرنسي

المراجع:
1 Richard Labévière : Le Grand retournement – Bagdad/Beyrouth. Editions du Seuil, octobre 2006
رتشارد لابيفيير: التحوّل الكبير – بغداد/بيروت. دار لوسوي، تشرين الأول/أكتوبر 2006.
2 Les Belles Histoires de l’oncle Paul est une série de bande dessinée créée en 1951 par le scénariste belge Jean-Michel Charlier et publiée dans le journal Spirou. Elle est constituée de courts récits, de 4 à 6 planches, retraçant des faits le plus souvent historiques. Le premier épisode, Cap plein Sud, est paru dans le no 668 daté du 1er février 1951.
قصص العمّ توم الجميلة هي سلسلة رسوم بعثها عام 1951 كاتب السيناريو البلجيكي جان-ميشال شارليي ونشرت في جريدة «سيبرو». تتكوّن من نصوص قصيرة، في 4 أو 6 لوحات، تحكي في الأغلب وقائع تاريخيّة.
3 L’ENA-Hors les murs, numéro 486, décembre 2018.