حالة الإعلام اللبناني المشوشة ربما كانت نتيجة إخفاقه في البناء على ماضيه ومحاكاة تقاليد مجتمعه. اختارت وسائل الإعلام اعتماد التقنيات التكنولوجية الحديثة اعتقاداً منها أنه «الخط السريع» للتقدم وأهملت، أو ربما لم ترَ، ضرورة تقييم أثر هذه التقنيات في المجتمع ثقافياً واجتماعياً بالإضافة إلى تشريعها استعمال هذه التقنيات قبل تطوير العنصر البشري اللازم للتعامل معها. فكان أن وقعنا في هذا التشويش والبلبلة الإعلامية، فتم انسياب التغريب إلى محتوى رسائلنا الإعلامية واضطرارنا الاعتماد على خبراء أجانب أو من دُرّبوا على استعمال هذه التقنيات، وهو في غالبه لا يتوافق مع احتياجاتنا.

يحتاج بلد صغير بتعداده السكاني وموارده الاقتصادية كلبنان إلى إيجاد حلول «خارج الصندوق» لمشكلاته الإعلامية. يحتاج لبنان إلى حلول تنطلق من معرفة الواقع الثقافي والاجتماعي اللبناني. يتطلب النهج السليم للبحث عن مسار عمل يسهم في انطلاق وسائل الإعلام اللبنانية من حالتها الراهنة المقلقة التمحيص في المراحل التي انقضت من تاريخ هذه الوسائل، والتي تشمل مراحل ازدهارها مع مراحل فشلها. إن معرفة الماضي أساس التخطيط السليم وهو البداية نحو مستقبل واعد.
اعتماد الحلول المستوردة والمعتمدة في الخارج قد يساهم في إنماء هذه الوسائل تقنياً لكنه قد يساهم في تكوين فوضى اجتماعية (Entropy) كما الحال في لبنان اليوم. تحتاج وسائل الإعلام إلى التركيز على الحلول التي تنبثق من تقييم صحيح لنجاحاتها وإخفاقاتها في الماضي، الحلول التي تناغم بين التقنيات الإعلامية والأعراف والمعايير الثقافية وتنسجم معها. لا بد أن تستند هذه الحلول إلى فهم سليم لتاريخ وسائل الإعلام في لبنان.
أدت الحرب الأهلية إلى اضمحلال انتشار وسائل الإعلام اللبنانية في محيطها العربي وإلى انخفاض حاد في عائداتها من التوزيع والإعلان، وأصبح الناشرون اللبنانيون يعتمدون اعتماداً كبيراً على الإعانات والدعم المادي من السياسيين ورجال الأعمال. ويبيّن تاريخ الإعلام في لبنان أن الأمل في تعافي وسائل الإعلام ينطلق من تمكّنها من الاكتفاء الذاتي المالي الذي سيمكنها من أن تكون حرة من الناحيتين المهنية والأيديولوجية.
إذا تفقدنا تاريخ وسائل الإعلام المطبوعة اللبنانية، نرى أنها ازدهرت في بدايتها عندما عملت كوسائل إرشاد تسعى إلى وحدة الشعب في أوقات خلافات مذهبية وسياسية. والعصر الذهبي لهذه الوسائل بدأ عندما ارتقت إلى صحافة عربية الانتشار. التنوّر من الماضي يحملنا إلى الافتراض أن نقطة انطلاق وسائل الإعلام المطبوعة اللبنانية للتعافي من حالتها المحزنة يكون باعتمادها صيغة تلبّي احتياجات المواطن واهتماماته، ما يسمح لها بالتوسع في الانتشار من صحافة فئوية إلى صحافة وطنية وتالياً إلى صحافة عربية الانتشار. ومن شأن اتساع انتشار هذه الصحافة وطنياً وعربياً أن تتاح لها فرصة الاكتفاء الذاتي مالياً. هذا التطور ممكن عملياً نظراً إلى الجودة المهنية لهذه الوسائل فضلاً عن قوانين إعلام مريحة نسبياً بالإضافة إلى نظام حوكمة ليبرالي التطلع لعمل الإعلام.
أما في مجال البث الإذاعي والتلفزيوني، فيبدو واضحاً أن وسائل الإعلام اللبنانية لا يمكنها المضي بوضعها الحالي، أي في التنافس على البرامج والجماهير. تُظهر دراسة بداية مرحلة البث التلفزيوني في لبنان أن المنافسة بين «شركة التلفزيون اللبنانية» (CLT) و«تلفزيون المشرق» (Tele Orient) أدت إلى خسارة اقتصادية ومهنية. ولم تتعافَ وتزدهر هاتان المؤسستان إلا عندما اتفقتا على التنسيق بين عملياتهما عن طريق مؤسسة متخصصة مشتركة. المسار الصحيح لعمل وسائل الإعلام الإذاعية هو في التطور لتصبح مؤسسات تكاملية على الصعيد المحلي اللبناني.
من الواضح أن وسائل الإعلام الإذاعي لا يمكنها أن تتعافى اقتصادياً إذا استمرت في التنافس في ما بينها على السوق اللبنانية، وهي سوق صغيرة جداً لا تتحمل تمويل الجميع. يتمثل المسار السليم في الاتفاق على تقاسم العمل عن طريق التخصص في إنتاج البرامج وكذلك في تشارك وسائل الإنتاج. ولكي تتمكن هذه الوسائل من اختراق السوق العربية، لا بد لها من إنتاج برامج تتناول المواضيع التي تستجيب لتطلعات الجمهور العربي وحاجاته. يتميز المذيعون اللبنانيون عن غيرهم من المذيعين العرب بأنهم يعملون في بيئة ثقافية وسياسية أكثر حرية نسبياً، ومن ثم تستطيع هذه الوسائل معالجة المواضيع والخدمات التي يُحظرُ عادة على القنوات العربية الأخرى معالجتها، بدلاً من التركيز على إنتاج برامج ترفيهية.
ومن ناحية أخرى، وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة هي في حالة إنتروبية (فوضوية اجتماعياً) وتحتاج إلى سياسات ملائمة لإرشاد عملها للمساهمة إيجابياً في المجتمع. ومن الصواب أن نتعلم من نجاحات وإخفاقات قنوات التواصل الشخصية التقليدية (الوسائل الشعبية والفلكلورية)، فنسعى لجعل وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة تتماهى مع التواصل الشخصي (وجهاً لوجه). من شأن هذا النهج أنه يصبح من الممكن ربط وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة بالتطلعات والمسارات اللبنانية التقليدية.
ما أدعو إليه لا يعني الاقتداء بالتقاليد بصورة عمياء، بل تنشيط قنوات التواصل الاجتماعي عن طريق مواءمتها مع الثقافة الوطنية لتلعب دوراً في تنمية وتطوير مجال عام يسهم في تلبية الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع، والقبول بأن الماضي لا التكنولوجيا هو البداية.