الثّروة الضائعة

حتّى لا يكون النّقاش على مستوى الظواهر، من الأساس التذكير قبل أيّ كلامٍ عن الوضع المالي في السّعودية، وخطط الدولة وإجراءات التقشّف، بأنّ أي «أزمة» في المالية العامّة، وأي عوز يصيب المجتمع، هي عوامل «اصطناعية» بالكامل ولا يفترض بها ـــــ في عالمٍ آخر «منطقي» ـــــ أن تكون. الإسراف في الاستهلاك والتوظيف غير المنتج للمواطنين و«الفشل التنموي»، هذه كلّها عوارض، من الممكن أن تفسّر عجز الموازنة بالمعنى الحسابي الآني، ولكن السؤال الحقيقي يبدأ من مكان آخر.
ما نقصده هو أنّه، حين يكون لديك بلدٌ فيه أربعة ملايين عائلة ويدرّ سنويّاً ما يقارب مئتي مليار دولار من استخراج النفط وبيعه كريعٍ صافٍ، فمن المفترض ألّا يكون هناك فقيرٌ في هذا البلد، بغضّ النّظر عن مقدار الاستهلاك والاستيراد، والفشل في التحوّل إلى مجتمعٍ صناعيّ متقدّم. مع هذه الأرقام، يجب أن يعيش جميع المواطنين في رخاءٍ وراحة، أقلّه، لو كان هناك أيّ توزيعٍ «عقلاني» وطبيعي للثروة في المجتمع ـــــ حتى ولو بشروط «العالم الثالث» ـــــ ولو كنّا نبدأ كلّ سنةٍ من الصّفر. ليس من المنطقي أن يجد أحدٌ في هذا البلد الثريّ صعوبةً في الحصول على مسكنٍ ودخلٍ وعمل، فضلاًَ عن أن يضطرّ المواطن إلى استجداء العطايا من الأمراء والأغنياء، وأن يقلق بسبب فاتورة الكهرباء وسعر الحليب.
الكلام عن الفساد والهدر وثروات العائلة المالكة هو أيضاً ليس تفسيراً كافياً. السؤال الأوّل الذي يُطرَح في هذه الحالة هو ليس «كم تحصل سنوياً من مال النّفط؟»، بل «كم يظلّ من هذا المال داخل البلد، وأين يتم استثماره وكيف يتمّ توزيعه؟». المثال الأكاديمي الشهير الذي يقدّم عن حركة البترودولار خلال طفرة السبعينيات كان أن هذه الأموال لا يتملكها العرب إلّا بالمعنى النظري. هي تودَع في حسابٍ عربيّ كثمنٍ لشحنة نفط، ثم تحوّل فوراً في الاتجاه الآخر، لتودع في مصرف غربيّ من جديد، وتتحوّل إلى سندات خزينة بالدولار أو قروضٍ للمكسيك وأوروبا الشرقية. أنت تملك المال النفطي، هنا، على المستوى القانوني وعلى الورق، ولكنّه «يعمل» في مكانٍ آخر.
المشكلة تبدأ هنا؛ حتى نبسّط الحسابات، قد يكون لديك دخلٌ نفطيٌّ كبير، ولكنّك حين تنفق ما يقارب 80 مليار دولار في السّنة على الدّفاع والحروب (أي الميزانية الثالثة في العالم، أكبر من ميزانية روسيا وفرنسا واليابان، وأربعة أضعاف الإنفاق الإسرائيلي على الجيش ـــــ بحسب أرقام معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن)، فأنت قد أزحت شطراً معتبراً من هذا الريع عن طريق شعبك (ليس كلّ الإنفاق العسكري، ولا أكثره، هو ثمن صفقات سلاح غربية كما يتصوّر البعض، ولكنّ قسماً هائلاً منه هو بدل معدات وصيانة ومتعاقدين أجانب وحروب خارجيّة، وفسادٌ بالطبع، وهي كلّها نفقاتٌ غير منتجة ولا تفيد المجتمع والاقتصاد). ثمّ، بعد ذلك، حين تهاجر من السّعوديّة هذه السّنة ـــــ بحسب كارن يونغ في «بلومبرغ» ـــــ 65 مليار دولار إلى حساباتٍ واستثمارات في الخارج، فإنّ الإنفاق العسكري مترافقاً مع هذا النّزف للرساميل (خرج السنة الماضية 80 مليار دولار من البلد)، لن يترك إلا قدراً بسيطاً في يد الدّولة للتوزيع والتوظيف والاستثمار، وإنفاق المال لتنشيط الاقتصاد.
أمّا بالنّسبة إلى المواطن العاديّ، فإنّ ما يجعله الحلقة الأضعف هو تراتبية الأولويات لدى النّظام. حين لا يعود الرّيع يكفي لتلبية كلّ هذه الحاجات (وشراء اليخوت واللوحات للأمراء) في وقتٍ واحد، فإنّ الحكومة لن تضع ضوابط حمائيّة على خروج الأموال على طريقة الصّين ـــــ بل هي من يرعى فكرة إخراج الثروة الوطنية واستثمارها في الأسواق العالمية ـــــ ولن تخفض ميزانيتها العسكرية جذرياً، وتوقف صفقات السلاح الضخمة وحروبها على الجيران وفي الإقليم، بل إنّ «التقشّف» سيأتي حصراً من الثلث الثالث: الإنفاق على الوظائف والدّعم للمواطنين والاستثمار (ومشاريع الدولة وإنفاقها هي، تاريخياً، السبب الأساسي للنموّ في الاقتصاد). في ميزانية عام 2018 «التقشفية»، مثلاً، لم تكن نفقات الدفاع هي التي تلقّت الخفض الأكبر، بل التربية والتعليم. وحين ترفع الدولة الدعم عن سلعةٍ ما، فهي تفرض فعلياً «خفضاً» على رواتب الموظفين، ولا سيما الفئات الدنيا. حين يرفع الدعم عن الكهرباء، فهذا يوازي حسم عشرةٍ بالمئة من راتبك، وكذلك الوقود، وضريبة القيمة المضافة، وهكذا دواليك. قبل أن تلوم المواطنين على الهدر و«الكسل»، وتطالب بتطبيق قواعد السوق عليهم وعلى استهلاكهم، يجب أن تفهم أوّلاً بنية التراكم والتوزيع في المجتمع، حتّى تفهم من أين جاء هذا «المستهلك» وكيف تمّ تشكيل خياراته، وما هو المصدر الحقيقي لـ«الأزمة».

الرّيع والعمل
نستعير هنا فكرةً لعلي القادري، الذي يعتبر أنّ السّمة الأهمّ، والمحورية، لدول الخليج، أنّها تشكّل جزءاً من «الطّوق العازل» الأميركي في الشرق الأوسط: أي المظلّة التي تغطّي «محميات» أميركا في كلّ إقليم، على طريقة اليابان وكوريا وتايوان في شرق آسيا، ودول الخليج النفطية وإسرائيل. هذه الدّول ـــــ سواء في إقليمنا أو في غيره ـــــ تلعب دوراً في النّظام العالمي (قواعد متقدّمة للجيش الأميركي، السيطرة على منابع النفط، محاصرة الصّين، إلخ)، وهي تحظى بالمقابل بمميزات مهمّة. أوّلاً وقبل كلّ شيء، تعطي هذه الوضعية دول «الطوق العازل» قدراً من المناعة والاستقرار، أميركا تضمن حدودها واستقلالها، وتسمح للنظام بقمع المخالفين من دون سؤال، وهي ـــــ فوق ذلك ـــــ تعطي هذه الحكومات هامشاً واسعاً في تقرير شؤونها الداخلية وخططها الاقتصادية. لم تمانع واشنطن أن تعتمد اليابان وكوريا سياسات حمائية (بل وإصلاحاً زراعياً في كوريا وتايوان)، وزودتها بمعاملة تفضيلية ونفاذ إلى الأسواق العالمية والتكنولوجية الحديثة، ما دام هذا هو الطّريق لبناء دول صناعيّة قويّة تقف سدّاً في وجه توسّع الصّين.
بالمناسبة، وهذا ينطبق بخاصة على مرحلة ما بعد كامب دايفيد، إنّ الطموح الأقصى للعديد من الأنظمة «الثورية» العربية ـــــ من العراق وسوريا إلى ليبيا والجزائر ــــــ والدّافع خلف المفاوضات والتنازلات وعروض السلام مع إسرائيل، كان الانضمام إلى هذا «الطّوق العازل»، والحظي بالرّضا الأميركي وحماية واشنطن واعترافها بالنظام. هذه هي ترجمة «شرطي المنطقة»، الطموح المزمن والعابر للدول، ومعنى «مراكمة الأوراق» حتى تنال اهتمام واشنطن وتطلب «خدماتك» (ما لم ينتبه إليه هؤلاء، أنّه في الشّرق الأوسط، على عكس آسيا، لم تكن هناك «صين» صامدة ونووية، تشكّل تهديداً وتستوجب حلفاء أقوياء في جوارها؛ وفي وسع واشنطن ببساطة ـــــ بخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ــــــ أن تقتحم الإقليم عسكرياً، وهي لا تحتاج إلى محميّات إضافية.
الفارق بين آسيا والخليج، يكتب علي القادري، أنّ كوريا وتايوان واليابان استخدمت سنوات الاستقرار والدعم الأميركي والبيئة الملائمة لبناء اقتصادات صناعية، واستثمرت في شعبها وعمّالها وتمكّنت من «العبور» إلى «العالم الأوّل» وتحقيق مستوى مرتفع لمعيشة السكّان. في الخليج، من ناحيةٍ أخرى، يكفل الرّيع النّفطي الهائل تضخيم أجور مواطنيها (القلائل) وتحقيق الرخاء عبر التوزيع. من هنا، يضيف علي القادري، فإنّ نموذج الخليج ونموذج «نمور آسيا»، وإن بدوَا كقطبين متعارضين، لا يختلفان بالقدر الذي قد نظنّه. الهدف النهائي للمشروع الرأسمالي الوطني ضمن المنظومة الغربية، على طريقة كوريا واليابان، هو في أن تصل هذه الدّول إلى مرحلة من الثراء لدرجة أن لا يعود مواطنوها مضطرّين إلى العمل الشّاق والوقوف في المصانع والإنتاج المحموم. بل أن يعتاش الشّعب على فائض الريع والتكنولوجيا الذي راكمه، ويصبح الكوريّون «مصمّمين» وإداريين وفنّانين، فيما يقوم أناسٌ آخرون (في إندونيسيا، مثلاً، وفييتنام وباكستان) بالعمل اليدوي نيابة عنهم، من خط الإنتاج في المشغل إلى لمّ القمامة والتنظيف. أي الوصول إلى حالة تشابه وضع المواطنين في دول الخليج الثريّة.
حتّى نقارب الموضوع من زاوية أخرى. حين تراقب، في مواسم الأعياد ونهايات الأسبوع، اللبنانيين وهم محشورون مع عائلاتهم في زحمة السّير، فأنت تلاحظ أنّ التعداد النمطي للعائلة اللبنانية من الطّبقة الوسطى وما فوق قد أصبح كالآتي: أبٌ، أمٌّ، أولاد، وخادمة أجنبية سمراء البشرة. قد يشكّل هذا دليلاً اضافياً على أنّ مثال «الحياة الجيدة» لدى البرجوازي الصاعد لا يتلخّص، مثلاً، في أن ترتقي أخلاقيّاً وإنسانيّاً، بل أن تقوم ـــــ أولاً وقبل كلّ شيء ـــــ باستئجار من يقوم بالعمل المضني واليومي نيابة عنك. أن تصبح «قيمة» ساعة عملك مرتفعة إلى درجة أن يضحي من المنطقي والمبرّر، حسابياً واقتصادياً، أن يكرّس إنسانٌ آخر حياته حتّى ينظّف خلفك. هذه العلاقة، منذ عصور العبودية، لها أسماء وتبريرات مختلفة (الغزو والسبي، الحق الإلهي، المنطق الاقتصادي، إلخ) ولكنها تعني إجمالاً الأمر ذاته. هذا المنطق، بمعنى ما، يسري أيضاً بين الدّول والشّعوب. المشكلة في حالة السعودية هي أنّ تطوّر الديموغرافيا وطبيعة الحكم، والاختلافات بينها وبين الدول الصغرى كالإمارات وقطر، تجعل من الصّعب التوفيق بين مستلزمات «الحماية» الأميركية وحياة ريعية سهلة للجميع. في شرق آسيا، لم يكن لدى حلفاء أميركا نفط، فاضطروا إلى تأسيس قاعدة صناعية وعلميّة، والاستثمار في العمال و«استغلالهم» (بالمعنى الإيجابي والسلبي معاً) لتحقيق النموّ والرّفاه. في السّعودية اليوم، يحاول محمّد بن سلمان أن يسلك الطريق المعاكس: تحويل مجتمعٍ تقوم شرعيته السياسية على توزيع الريع إلى مجتمع «إنتاج» وعمّال يكدحون.

الأمير وتاجر البورصة
أن تكون ضمن «الطوق العازل»، بطبيعة الحال، لا يضمن أن تزدهر وأن تصبح بلداً صناعيّاً. هناك دولٌ حظيت بالحماية الأميركية (مثل تايلاند والفيليبين وغيرها) ولم تستخدم الاستقرار لاختراق صفوف الدول المتقدّمة. الموقع التفضيلي يعطيك، فحسب، هامشاً وإمكانات، وهناك عناصر مؤسسية وتاريخية تقرّر مسارك. كمثالٍ على هذا «الهامش»، ما دامت دول الخليج تؤدّي دورها الأمني والسياسي، وتلبّي حاجة السوق بنفطٍ مسعّرٍ بالدولار، وما دام أكثر العائدات يجري تدويرها في اقتصاد الغرب (سواء عبر نزف الرساميل أو عبر الاستهلاك والاستيراد)، فإنّ لدى حكّام هذه الدّول نطاقاً واسعاً من الحريّة في إدارة شؤونهم الداخلية. إن أردت بناء مجتمع رقابةٍ وقمعٍ وكاميرات في كلّ مكان، كما في الإمارات مثلاً، ولا أحد سيسائلك، يمكنك أن تبني بلداً يقوم على عقيدة دينية متطرّفة، ونظام فصلٍ بين الجنسين وتمييزٍ بين الأديان واحتقارٍ للحقوق، وسيجري التسامح معك وقبولك عضواً مكرَّماً بين الأمم. ولو ذهب هوسك صوب بناء ناطحات سحابٍ وجزرٍ اصطناعيّة وتحطيم أرقام قياسية، فإنّ مخططات الأمير ستصبح واقعاً على الأرض. في وسعك، حتّى، أن تخوض حرباً ضدّ بلدٍ جار، إن لم يكن ضمن «المنظومة الأمنية» ولا يشكل خطراً على أميركا ومصالحها، وأن تقتل وتحاصر وتجوّع، وسيجري تجاهل الأمر بالكامل والتواطؤ مع المعتدي (من هنا قلنا، منذ بداية العدوان على اليمن، إنها حربٌ أميركية قبل أن تكون سعوديّة، وأميركا لم «تجارِ» الرياض في عدوانها إلا لأنها افترضت أنّها لن تدفع ثمناً له ولن تتلقى عقاباً).
في السعوديّة اليوم، بعد أن ثبت أنّ مشروع تخصيص «أرامكو» لن يحصل، ماذا بقي من «رؤية» محمّد بن سلمان؟ إجراءات رفع الدّعم ومخططات على شاكلة «نيوم» واستثمارات هائلة في الخارج. المستفيد الأوّل من سياسات بن سلمان ليس أيّ قطاعٍ سعوديّ، بل صندوق «سوفتبنك» الياباني ورئيسه ماسايوشي سون. لسببٍ ما، جعل ابن سلمان الياباني سون (المعروف برهاناته الخطرة على شركات التكنولوجيا) «وكيله الاستثماري»، وأعطاه أكثر من 45 مليار دولار من المال العام لصندوقٍ أسّسه «سوفتبنك» اسمه ـــــ للصدفة ـــــ «صندوق الرؤية» (وهذا الاستثمار له، وحده، قصّةٌ طويلة مرعبة)، وقد كلّفه أخيراً مشروعاً قيمته أكثر من 200 مليار دولار لتوليد الطاقة الشمسية في المملكة. بعد إلغاء تخصيص «أرامكو»، تقول «بلومبرغ»، يجري التركيز على مخطّطٍ لبيع شركة «سابك» (للصناعات البتروكيمياوية) لـ«أرامكو»، في صفقةٍ لا تعكس نظرةً اقتصادية أو تجاريّة حتّى لابن سلمان، بل تكشف براعة المستشارين الأجانب حوله، والــ «ابتكارات» الماليّة التي يخرجون بها: ستشتري «آرامكو» ـــــ وهي مملوكة للدولة ـــــ حصة كبيرة من «سابك» ــــ هي أيضاً مملوكة للدولة ـــــ ثمّ تستدين «أرامكو» عشرات مليارات الدولارات من الأسواق وتدفعها لصندوق الدولة الاستثماري ثمناً لحصتها. أي إنّ الدّولة، ببساطة، تستدين بشكلٍ غير مباشر، أو تبيع لنفسها (حتّى تستثمر العائد في صناديق ماسايوشي سون وشركة «أوبر» وغيرها)، ولكن ذلك يجري عبر هندسةٍ معقّدة، تستدعي إعادة هيكلة قانونية واتفاقات دين وعمل كثيرٍ للمستشارين والمحامين والمصارف، سيجنون منها مئات ملايين الدولارات (وهذا من الأسباب التي جعلت «بلومبرغ» تقدّم هذه الصفقة الغريبة باحتفالية وثناء).

خاتمة
هذا لا يعني، بالطّبع، أنّ النظام السعودي سينكسر قريباً أو يفلس أو يشهد «ثورة»، وهو لديه عناصر قوّة (أوّلها الحماية الأميركية) أمّنت له صموداً طويلاً، وهذا لن يتغيّر بسهولة. بل إنّ البناء الوطني في السّعودية، على عكس ما يتصوّر الكثير من المشرقيين ويراهنون، أكثر اكتمالاً ومتانة من معظم دول «الشمال»، وأقلّ قابلية للتفجير والانقسام منها. عودة إلى القادري هنا، فهو يشير في كتابه إلى أنّ الدول التي تقوم تحت «مظلة الامتيازات والحماية»، ويتمايز مواطنوها مع محيطٍ فقير، هي مؤهّلة لبناء ولاءات وطنية شديدة المتانة والشراسة (مثل اليمين القومي الصاعد في اليابان وكوريا، ويستخدم القادري مثال «الهوية الخليجية» المحدثة).
المسألة هي أن لا تجيب على عنصريّة خليجيّة بمثلها، وأن لا تكتفي بالسخرية من «تخلّف» هذه الأنظمة والعائلات، وترجعه لأسباب ثقافية و«حضارية»؛ فنحن نستورد هذا التخلّف بشكله الأعنف، وهو يتسلّل إلى بلادنا ويحكمنا، وقد ينتصر ويسود في النهاية. الأساس هو في أن تفهم أنّ دول الخليج هي أكثر من «محطّة وقود» للغرب، فهي أيضاً ذراع الأقوياء في بلادنا، ومدماكٌ في أسس الهيمنة. حين تراقب المآسي في سوريا واليمن والعراق وفلسطين، فهي لم تُصنع في إسرائيل أو الرياض أو الدوحة وحدها، بل هي عمل محورٍ يلفّ العالم ويوزّع الأدوار والمصائر، ومحمّد بن سلمان ـــــ المنتج العضوي لهذا النّظام ـــــ لا يفعل أكثر من أنه يمارس طبيعته.