من ضمن الأمور التي وسّعت العولمة إطار مزاولتها، حرية تنقُّل البضائع والأشخاص، على اعتبار أنها ممارسة مكمِّلة للفضاء الرأسمالي الأساسي الخاصّ بتنقُّل الرساميل. التنقُّل هنا ارتبط بعملية إنتاج القيمة على صعيد عالمي، ولكنه بسبب تداخل العوامل الاقتصادية والسياسية تحوَّل إلى مظهر من مظاهر الاحتفاء بالعولمة الغربية لكونها أتاحت للعمّال وأسرهم حريّةً في التنقُّل والعمل أكبر من تلك التي كانت متاحةً لهم في بلدانهم الأصلية. التداخُل الحاصل بين العاملين السياسي والاقتصادي أزال الفوارق بين نمط الإنتاج الذي يتطلّب هجرةً اقتصادية قسرية والهجرة التي تحصل لأسباب سياسية أو ثقافية. سمح ذلك ببروز مظاهر للعولمة على حساب أخرى، فتراجعت طبيعتها الاستغلالية لمصلحة قيم مثل التنوُّع والتعددية والانفتاح و... إلخ. الطابع الثقافوي هنا يضفي على عملية التراكم القائمة أبعاداً ليست فيها، ويسمح ببروز سياسات يمكن الغرب الاستفادة منها، ولكن ليس إلى أمدٍ طويل، على اعتبار أنها تحوي من التناقضات مقدار ما تحوي من الفرص، إن لم يكن أكثر.


النسخة الألمانية
في الفترة التي بدأت فيها حركة الهجرة الكثيفة إلى أوروبا على أثرِ الانهيارات الاجتماعية الحاصلة في مجتمعات المشرق العربي وشمال إفريقيا، كانت القارّة العجوز تعاني من آثار سياسات التقشُّف على دولها الفقيرة. الهجرة الكثيفة إليها من جانب فقراء المنطقة وبقايا طبقتها الوسطى ترافَقَ مع استقطابٍ طبقيٍّ حادّ داخلها نتيجة المعارَضة التي كانت تقودها اليونان، ومن خلفها دول الجنوب الأوروبي الأخرى (البرتغال، إيطاليا، إسبانيا) لسياسات التقشُّف النيوليبرالية المدعومة بقوّة من ألمانيا. هزيمة هذه المعارَضة بقيادة حزب «سيريزا» حصلت بعيد النزوح الكثيف إلى أوروبا بقليل، ولكن حصول التقاطع بينهما كان محتوماً بسبب محورية الدور الألماني في كلٍّ منهما. ثمّة في الحالتين تصوُّرٌ واضح لما تريده ألمانيا، سواء لجهة إملاء سياسات التقشُّف، أو لناحية انتهاج سياسة الباب المفتوح تجاه اللاجئين. المصلحة هنا - وهي اقتصادية أساساً - تُملي على برلين أن تقود سياساتٍ تبدو متعارضة ظاهرياً، ولكنها فعلياً تخدم حدوث التراكم بالمقدار نفسه. الانتهاء من المعارضة الاقتصادية اليونانية مثلاً أنهى التعويل على الاستقطاب الطبقي داخل القارّة لمصلحة أشكالٍ من المعارضة لا يمكنها قيادة معركة مع سياسة التراكم التي تقودها ألمانيا على المدى الطويل. انحسار موجة «اليسار الجديد» الذي يعرف كيف يقود هذه المعركة، (بمعزل عن أسباب هزيمة «سيريزا» وانتهاء قيادته إلى جانب «بوديموس» الإسباني لليسار الأوروبي الجديد) حصلت لمصلحة أحزاب تحاول استئناف المعركة مع ألمانيا، ولكن ليس على أساس معارضة السياسات الاقتصادية لبرلين، بل على خلفية قيادة ميركل لسياسة الباب المفتوح تجاه اللاجئين. وهذا يقود فضلاً عن إضعاف الاستقطاب الطبقي داخل القارّة إلى إظهار ميركل وحكومتها بمظهر المدافع عن اللاجئين، وهو بالضبط ما يقتضيه التعارُض الظاهري لجهة إضعاف جبهة مناهضي العولمة في نسختها الألمانية.

أثَرُ سحق اليسار
سياسة ميركل كانت منذ البداية قائمة على أساس إضعاف اليسار الراديكالي الأوروبي إذا لم يكن بالإمكان سحقه (وقد نجحت حتى في ذلك) لكي تصبح معارضة سياسات التراكم الرأسمالي التي تقودها حكراً على اليمين المتطرِّف. هذا التحوُّل في طبيعة المعارَضة كان سيقود تلقائياً إلى إضعافها، ليس فقط بسبب افتقار اليمين المتطرّف إلى أيِّ برنامجٍ للمعارضة أو لأيِّ تصوُّرٍ خارج إطار سياسات الهوية، بل أيضاً بسبب فقدانها العامل الأخلاقيّ الخاصّ بانحياز اليسار التاريخي لقضايا اللاجئين والمهمَّشين والأقلّيات الاجتماعية. حين سحقت ألمانيا بالتضافر مع الترويكا الأوروبية التحالف الطبقي الذي كان يقوده «سيريزا» داخل اليونان وخارجها، كانت تعرف أنها بذلك تنهي تراكماً نضالياً كان سيقود إذا قُيِّض له النجاح إلى اقتراح سياسات راديكالية في ما يخصُّ قضايا اللجوء والنزوح، سواء السياسية أو الاقتصادية. الخطورة على عملية التراكم بقيادة ألمانيا هنا تأتي من الربط الذي يقيمه اليسار تاريخياً بين سياسة التدخُّلات الإمبريالية للدول الرأسمالية في دول الجنوب وحصول الانهيارات الاجتماعية التي تقف خلف موجات النزوح إلى أوروبا انطلاقاً من دول شمال إفريقيا، ولاحقاً من المشرق العربي بسبب انفجار الأزمة السورية. السياسات الأوروبية والإمبريالية عموماً لا تحبِّذ هذا الربط، وتفضِّل بدلاً من ذلك، وكما تصرَّفت حكومة ميركل وباقي الحكومات الأوروبية التي استقبلت لاجئين، فصل هذه الملفّات بعضها بعض ومعالجتها تقنياً، لأنّ الربط بينها سياسياً يفضي غالباً إلى خلاصات تدين حكومات هذه الدول بالدرجة الأولى، عبر تحميلها المسؤولية الأساسية عن الانهيارات في دول الجنوب لمصلحة خدمة سياسات التراكم الرأسمالي. لو لم تكن عملية سحق المعارضة الأوروبية لسياسات التقشُّف قد حصلت، ولو كانت أحزاب مثل «سيريزا» أو «بوديموس» لا تزال في موقع قيادتها، لكانت معالجة مسألة اللجوء قد اختلفت جذرياً، ولما كانت الحكومة الألمانية لتجرؤ على الظهور بمظهر المدافع عن اللاجئين والمحتضن لقضيتهم بعد سحقها لمعظم المهمَّشين والطبقات الوسطى والفقيرة في دول جنوب أوروبا. الافتراض هنا لا يقوم فقط على الربط الذي يقيمه اليسار بين تقويض البنى الاقتصادية والاجتماعية داخل دول الجنوب (لمصلحة إحداث تراكم رأسمالي باتجاه الشمال واستحواذه على معظم ثروات هذه المناطق) وانتقال المسحوقين جراءها إلى أوروبا، بل ينطلق أيضاً من تصوُّرٍ مماثِل، إن لم يكن أكثرَ جذرية، مفادُه أن تكون قيادة اليسار البديلة لملفّ اللجوء بمثابة استمرار لمعارضته سياسة التقشُّف داخل أوروبا. الربط بين المعارَضتين من موقع الحكم كان سيفضي وفقاً لهذا الافتراض إلى انقلاب الصورة في أوروبا رأساً على عقب، لكونه يعتبر العمليتين امتداداً لعملية النهب الرئيسية التي تقودها ألمانيا، ومن خلفها مؤسّسات الاتحاد الأوروبي الاقتصادية لمصلحة الولايات المتحدة والمؤسّسات المالية الدولية.

خاتمة
ولكن الافتراض يظلُّ افتراضاً، ليس فقط بسبب هزيمة الطرف الذي كان سيقوم بالربط، بل لأنَّ بنية العولمة نفسها قد تغيَّرت خلال الفترة التي تفصلنا عن انهيار تجربة اليسار الراديكالي الأوروبي، وتحديداً بعد وصول ترامب إلى الرئاسة في الولايات المتحدة. ليس هذا فحسب، بل هو أيضاً ــ بسبب هذا التحوُّل ــ من يتولّى بدلاً من تسيبراس أو فاروفاكيس قيادة المعارضة، ولكن على طريقة اليمين المتطرِّف وفي غياب مرجعيات أخلاقية للتعامل مع قضايا مثل الهجرة والأقلّيات والتغيُّر المناخي و... إلخ. بالإضافة طبعاً إلى الافتقار الكامل إلى برنامج عمل يوضح إلى أين سنذهب بعد تقويض صيغة العولمة القائمة، ومن ستكون القيادة البديلة للولايات المتحدة إذا كانت بالفعل ستذهب - تحت هذه الإدارة - بسياستها الانعزالية حتى النهاية.
* كاتب سوري