منذ الصيف الماضي، أثبت «الحشد الشعبي» في العراق انّه، باختصار، الكتلة المقاتلة الوحيدة الفاعلة في البلد؛ لا الجيش الرسمي الذي كلّف عشرات المليارات، ولا «الزعامات القبلية» التي تمّت رشوتها بمليارات الدولارات في السنوات الماضية، والتي ما زالت تطالب «بالمال والسلاح» عند كلّ محطّة، مع أن الأميركيبن والحكومة وزعوا عليها ــــ منذ عام 2006 ــــ عتاداً يكفي لتجهيز عدّة جيوش.


هناك استثناءات بالطبع، كطيران الجيش العراقي الذي تمّ بناؤه بدراية ومسؤولية، وقد نفّذ، بكفاءة، عشرات آلاف الطلعات ضد «داعش» خلال الأشهر الماضية. الا أن المفارقة تبقى ساطعة، على مستوى المنطقة ككل، بين الجيوش النظامية (سواء كانت غربية التجهيز أو شرقية) وبين المنظمات التطوعية، المندمجة في المجتمع، والتي تبني نفسها ونمط عملها على تراثٍ قتالي مجرّب وفعّال.
في منطقة الرمادي، جرى تسلسل الأحداث في الأيام الماضية على النحو التالي: بعد تحرير مدينة تكريت، انطلقت عملية عسكرية ضد تنظيم الدولة في الأنبار، شرق الرمادي، بمشاركة الحشد الشعبي. ثمّ نشرت صحيفة «نيويورك تايمز»، في الثاني عشر من نيسان، تقريراً يفصّل كيف جمع السفير الأميركي، ستيوارت جونز، وجهاء الأنبار وشيوخ عشائرها لـ «يأمرهم» باخراج الحشد الشعبي من المعركة.
قال شيوخٌ شاركوا في الاجتماع إنّ السفير عبّر عن رفضه لمشاركة «ميليشيات شيعية» في تحرير الأنبار، موضحاً أن «التحالف» لن يشارك في المعارك قبل انسحابها، وأضافوا انّهم قد «فهموا ما يريد» (لمن لا يعلم، فإن تنظيمات كـ «عصائب أهل الحق» و»حزب الله العراق» يصنّفها القانون الأميركي «منظمات ارهابية»).
الارادة الأميركية هذه رجّع صداها، فوراً، مشايخ ووجهاء أغلبهم يختبىء في أربيل وعمّان، معلنين رفضهم دخول الحشد الى محافظتهم التي فرّوا منها. فهم يفضّلون الأميركيين ورشاهم، أو بقاء «داعش»، على أن يحرّر أرضهم ابناء بلادهم.
النتيجة؟ خلال أيام من انسحاب «الحشد» كانت «داعش» تقتحم نواحي الرمادي وتحاصر المدينة، التي لم يتبقّ الا جزءٍ من مركزها في يد القوات الحكومية. اضطرّت آلاف العائلات التي تقطن مناطق معادية لـ «داعش» الى النزوح جماعياً خوفاً من القتل، في مشهد انسانيّ مؤلم، والغارات الأميركية لم تنقذ أحداً.
بطبيعة الحال، لم يتعاطف أحدُ في الاعلام العربي مع مأساة النازحين؛ ولم ينجد الهاربين من الأنبار الّا اخوتهم العراقيون، الذين استقبلوهم بالمواكب في بغداد وكربلاء وبابل، واستضافوا عائلاتهم، وأسكنوها منازلهم (وهي ايضاً صور لن تشاهدها في الاعلام الخليجي، فهي لا تناسب سرديّته عن العراق).
اليوم، رجعت قوى الحشد الى الرمادي لتنضمّ الى القتال ولكن، هذه المرة، كان لها شرطان للعودة: أوّلاً، أن تكون هناك دعوة رسمية، علنية، لها من عشائر الأنبار؛ وثانياً، أن لا يكون هناك أي وجود أو تدخّل لطيران التحالف.