كان تأثير سقوط العراق واحتلاله بعد الغزو الأميركي (20 آذار- 9 نيسان 2003) أكبر من سقوط فلسطين عام 1948 على صعيد التداعيات الاقليمية والداخلية في منطقة الشرق الأوسط: في الواقع كان الحدث العراقي الأكثر تأثيراً منذ سقوط الدولة العثمانية عام 1918 على الأصعدة الاقليمية - الداخلية.


قاد سقوط العراق إلى تداعي وانهيار منظومة النظام العربي الرسمي التي تأسست مع منظمة الجامعة العربية عام 1945، فيما ظلت هذه المنظومة متماسكة بعد سقوط فلسطين إذا لم تكن قد تقوّت، وقد ظهر هذا من خلال مؤتمرات القمة العربية منذ عام 1964 وكانت فاعلية الجامعة العربية قوية مع مؤتمر الخرطوم عام 1967 وفي أحداث أيلول 1970 في الأردن وفي فرض قرار مؤتمر الرباط عام 1974 بالاعتراف بالتمثيل الأحادي للشعب الفلسطيني من قبل منظمة التحرير ثم في مؤتمر قمة بغداد عام 1978 ضد (كامب ديفيد)، وعندما حصل انشاء التحالف الدولي - الاقليمي عقب غزو الكويت من قبل العراق عام 1990 احتاج الرئيس الأميركي إلى غطاء الجامعة العربية الذي أمنته عبر قمة طارئة في القاهرة. في غزو 2003 لم يطلب بوش الابن غطاء الجامعة العربية كما فعل أبوه بل تجاهلها هي والأمم المتحدة. في مرحلة ما بعد 9 نيسان 2003 لم تستطع الجامعة العربية القيام بأي دور، حتى ولو حاولت مثلما حصل في الأزمة السورية، وكان دورها صفراً في عراق ما بعد صدام حسين، وفي ليبيا 2011 عندما تولى «الناتو» الأمر، وفي يمن 2011 كانت «المبادرة الخليجية» مغطاة من نيويورك وليس من القاهرة.
كان هذا تعبيراً عن نشوء فراغ للقوة عند العرب، قامت بملئه واشنطن عام 2003 عبر تحولها إلى حاضر اقليمي من خلال وجود قواتها في بلاد الرافدين، وقد فكر الأميركيون يومها بـ «إعادة صياغة المنطقة»، وفق تصريح وزير الخارجية كولن باول قبل أيام من الغزو، انطلاقاً من البوابة البغدادية. كان اشعال لبنان عامي 2000 و2005 بقرار أميركي - فرنسي يدخل في هذا الإطار من أجل «تغيير سلوك دمشق» الرافضة لغزو واحتلال العراق.


في «الربيع العربي» كانت الدوحة كيساً للنقود ومحطة فضائية

ساعد الأميركيون في ذلك وجود تحالف أميركي - ايراني في العراق المغزو والمحتل، ولكن بعد انكسار هذا التحالف مع استئناف طهران لبرنامج تخصيب اليورانيوم في آب 2005 استطاعت العاصمة السورية أن تتنفس الصعداء مع فشل اسرائيل في حرب صيف 2006 التي كانت حرباً بالوكالة بين واشنطن وطهران، ومنذ اليوم التالي لتلك الحرب مالت الموازين لغير صالح واشنطن في بلاد الأرز وأصبحت لصالح طهران ودمشق وقد تجسد ذلك في محطة 7 أيار 2008 ثم في محطة اسقاط حكومة الرئيس الحريري في كانون الثاني 2011. كان فشل واشنطن في حرب 2006 التي أسمتها كوندوليزا رايس عند نشوبها بـ «أنها آلام مخاض ضرورية لولادة الشرق الأوسط الجديد» تعبيراً أساسياً عن فشل مشروعها العراقي سابقاً ولاحقاً. عندما انسحبت القوات العسكرية الأميركية من العراق باليوم الأخير من عام 2011 كان واضحاً أن النفوذ الايراني هو الأقوى في عاصمة بلاد الرافدين وأن واشنطن قد خرجت بـ «خفي حنين». كان تعويم واشنطن للدور التركي منذ عام 2007 من أجل موازنة ومجابهة الصعود في القوة الايرانية قد أدى إلى تكريس حقيقة جديدة في المشهد الاقليمي أصبحت فيها طهران وأنقرة هما القوتان الاقليميتان الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، تماماً مثلما كان الوضع بين العثمانيين والصفويين قبيل معركة جالديران عام 1514 حيث قاد انتصار العثمانيين إلى سقوط دمشق والقاهرة ومكة وبغداد بالتداعي. أدى هذا إلى ضعف تل أبيب والرياض، وليس صدفة أن تكون اللحظة المشهدية، المتمثلة في مفاوضات البرنامج النووي الايراني التي هي عملياً بين واشنطن وطهران واحتمال الخروج باتفاق، أكثر ما يثير القلق في هاتين العاصمتين وفي أنقرة كذلك. في «الربيع العربي» كان الأكثر فاعلية في الدواخل والاقليم هي قوى ثلاث: واشنطن وطهران وأنقرة، وكانت الدوحة كيساً للنقود ومحطة فضائية، فيما لم تستطع الرياض أن تكون فعالة في سوريا واليمن ولو كان لها دور كبير في اسقاط محمد مرسي في القاهرة يوم 3 يوليو 2013.
هنا، إذا كان احتلال العراق قد أفرز أبو مصعب الزرقاوي و»القاعدة» عام 2004 فإن الهيمنة الايرانية على بغداد ما بعد 31 كانون أول 2011 قد أفرزت أبو بكر البغدادي و»داعش» عام 2013. كان غزو واحتلال العراق تعبيراً عن ضعف العرب، وعملياً فإن المشهد العربي في مرحلة ما بعد 9 نيسان 2003 قد تميز بضعف الرابطة العروبية وبصعود الشعور الطائفي، عند الشيعة الذين يشعرون بأنهم في مرحلة مد مع الصعود الايراني، وعند السنة الذين يشعرون بالضعف والتراجع، وظواهر مثل ابن لادن هي رد فعل تطرفي ممزوج بإحباط يولد العنف عبر عنه في «11 سبتمبر» ضد واشنطن التي يرى أنها «احتلت بلاد الحرمين» منذ مجيء قواتها عقب غزو الكويت، مثله مثل الزرقاوي والبغدادي. في المقابل فإن غزو واحتلال 2003 قد قاد إلى تقوية الأكراد في العراق، بعد أن قادت حرب 1991 إلى تعافيهم من آثار هزيمة الملا البرزاني وانكساره عقب اتفاقية الجزائر بين صدام حسين وشاه ايران عام 1975. كان صعود الأكراد العراقيين، ولو أنه يعبر عن مشكلة عراقية مزمنة تفجر قيحها منذ أيلول 1961 إلا أنها مشكلة موجودة وكامنة منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة عام 1921، تعبيراً أيضاً عن صعود النزعات النابذة في دولة عربية كالعراق مثله مثل تنامي الشعور الطائفي لدى الشيعة والسنة العراقيين.
كان سقوط بغداد عام 1258 ميلادية بيد المغول تعبيراً عن بداية ليل عربي طويل وعن بداية صعود الفرس والأتراك، وربما المنطقة منذ يومها لم تستطع رغم المحاولات العديدة أن تمسك بزمام أمرها من جديد. كان سقوط بغداد عام 2003 بداية لكسوف عربي جديد.
* كاتب سوري