طوال أكثر من 20 سنة على تأسيس السلطة الفلسطينيّة، وسوسُ الفساد ينخر جسدَها، حتى أدمنتْه وأدمنها، وصار الفسادُ الفلسطينيُّ الرسميُّ هو المؤسّسةَ نفسها. هكذا انتقلنا من إدارةٍ فلسطينيةٍ فاسدة إلى إدارةٍ فلسطينيةٍ لإدارة الفساد. غير أنّ الأمرَ لم يحدثْ دفعةً واحدةً، وإنّما جاء تدريجاً؛ وكان من أهمّ شروطه: التدميرُ المنهجيّ للرقابة الشعبيّة الفلسطينيّة، وللاتحادات النقابيّة، ولكلّ مرتكزات الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، واستبدالها جميعها بوزاراتٍ بلا سيادة ومنظماتٍ مُمَوّلةٍ أجنبيّاً، أزاحت الحركةَ الشعبيّةَ عن موقع التأثير في القرار السياسيّ وجلستْ مكانَها.


وهكذا وصلنا اليوم إلى مجموعة من الأفراد المتنفّذين ـ لا يزيد عددُهم على 100 شخص- يقرّرون مصيرَ قضيةٍ كبرى بالنيابة عن الشعب الفلسطينيّ كلّه!
قيل قديماً إنّ «السلطة المُطْلقة مَفْسدةٌ مُطْلقة». ولقد وُلدت السلطة الفلسطينيّة في حضن الشراكة الاقتصاديّة والأمنيّة مع العدوّ الصهيونيّ، وبرعايةٍ أميركيّة ــ أوروبيّة ــ نفطيّة، فجاءت فاسدةً سلفاً؛ بل إنّ «اتفاق أوسلو» الموقّع بين الكيان الغاصب ومنظّمة التحرير في 13 سبتمبر 1993 لم يكن سبباً في ولادة نهج الفساد والخراب في «الثورة» و»المنظمة» وإنّما نتيجة طبيعية له.
لقد دشّنت السلطةُ الفلسطينيّة أفولَ حركة فتح، وأفولَ المرحلة العرفاتيّة في الساحة الفلسطينيّة؛ كما دشّنت اغتيالَ الانتفاضة الشعبيّة الفلسطينيّة (الأولى) وتبديدَ إنجازاتِها الكبرى، فاتحةً الطريقَ أمام مرحلةٍ جديدةٍ؛ أهمُّ سماتها: الارتهانُ الكاملُ للمال الأجنبيّ، وتفشّي المؤسّسات «غير الحكوميّة»، وصعودُ حركة حماس وقوى الإسلام السياسيّ، وإعادةُ إنتاج الثوابت الوطنيّة الفلسطينيّة بعد تفريغها من جوهرها وفق صيغٍ هلاميةٍ، فضلاً عن تعريض حقّ العودة ــ جوهرِ القضيّة ــ لخطر الشطب والتبديد.
الفسادُ الأكبر في الساحة الفلسطينيّة، ونبعُ كلّ فساد إداريّ وأخلاقيّ وماليّ، هو الفسادُ السياسيّ، الذي يبدأ من قمّة الهرم في مؤسّسات منظّمة التحرير والسلطة الفلسطينيّة. لم يولد غولُ الفساد السياسيّ في المؤسّسة الفلسطينيّة إلّا كنبتةٍ صغيرةٍ سامةٍ كبرتْ مع الوقت في فضاءٍ ملوثٍ يكره الهواءَ النظيفَ والنقدَ الصريحَ ومقولاتِ غسّان كنفاني وناجي العلي. واستأنس السياسيُّ الفلسطينيُّ الفاسدُ بمثقفٍ مأجورٍ احترفَ المديحَ والدجلَ السياسيّ، فأسّسا معاً سلطةً تماهت مع النظام العربيّ الرسميّ. هذا النهج الفاسد لم يجرِ استئصالُه ومواجهتُه مبكّراً على قاعدة المحاسبة (كما دعا إلى ذلك المثقفُ الحرّ الدكتور أنيس صايغ)، فتحوّلتْ تلك النبتةُ إلى شجرةٍ سامةٍ طردت المثقفَ الثوريَّ وهمّشتْه، بل واغتالته أحياناً، وصار في مقدورها أن تشرّع الأبوابَ واسعةً أمام أشباه الكتبة المثقفين.
بدأ الفسادُ الفلسطينيّ الرسميّ مذ نَصّب بعضُ «القادة» أنفسَهم أوصياءَ على الشعب الفلسطينيّ، مُستندين إلى البترودولار من جهة، وإلى شعارهم المقدّس «منظّمة التحرير هي الممثّل الشرعيّ والوحيد للشعب الفلسطينيّ» من جهةٍ أخرى، متناسين ــ عن قصد ــ أنّ «للممثل الشرعيّ والوحيد» مرجعيةً أعلى منه وأكبر، هي الشعبُ الفلسطينيُّ نفسُه. والحال أنّ إقصاءَ الجماهير، ورسمَ حدود «مصلحتِها الوطنيّة» من دون العودة إلى مؤسّسات الشعب الفلسطينيّ، كانا جوهرَ النهج الكارثيّ الذي أسّسه المرحوم ياسر عرفات بعد عام 1974. هذا الطريق مهّد بدوره لولادة مدرسةٍ فاسدةٍ جرفتْ معها الجميعَ إلى خياراتٍ سياسيّةٍ خاسرة.
تسلّطتْ حركةُ فتح على مؤسّسات الثورة والمنظّمة ــ من المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ، إلى المجلس المركزيّ، مروراً بالبعثات والسفارات، والمؤسّسات الاقتصاديّة، وانتهاءً بالاتحادات الشعبيّة. فتدخّلتْ في تفاصيل عملها جميعها، وصولاً إلى قرارات الاتحاد العامّ لطلبة فلسطين وانتخاباته، محتكرةً توزيعَ المنح الدراسيّة على أساس الولاء القطيعيّ. وإلى جانب الماليّة المُعلنة (الصندوق القوميّ الفلسطينيّ)، كان ثمّة جهازٌ ماليّ خاصّ لا يَعرف عنه الشعبُ شيئاً. لقد هيمنتْ حركة فتح على كلّ شيء تقريباً، إلى درجةٍ بات يصعبُ معها التفريقُ بين الحركة والمنظّمة، ولاحقاً بين الحركة والسلطة، لأنّ تيّار الهيمنة «استنسخ نفسَه» فأنتج تماهياً مستمرّاً بين هذه «الأطراف الثلاثة»!
لكنّ الهيمنة المُطلقة تحمل في داخلها بذورَ موتها ودمارها. فمِن قلبها سوف ينشأ الصراعُ، القائمُ الآن، على المواقع والمراكز، بين تيّاريْ دحلان وعبّاس مثلاً. لقد انفجرت الخلافاتُ سريعاً داخل السلطة، بعدما ابتلعت هذه الأخيرةُ الحركةَ والمنظمةَ معاً ودمّرتْ عناصرَ المشروع الوطنيّ كلّها. فالشرعيّة الشعبية لم تعد تمنحُها المخيماتُ والجماهيرُ والانتخاباتُ، بل الولاياتُ المتحدة وقوى الإقليم والمالُ والسلاحُ والاعترافُ الدوليّ.
لقد تشظّت حركة فتح إلى حركات صغيرة وتياراتٍ وزعاماتٍ وخياراتٍ متناقضة. وهناك آلافُ المناضلين الفتحاويين الذين وقفوا عاجزين أمام حركتهم وهي تتداعى وتتصدّع بعدما أصبح التغييرُ فيها مستحيلاً؛ فلا قرارَ لهم، وعزف مئاتٌ منهم عن النضال، في حين تواطأ آخرون مع «الأمر الواقع». وبدلاً من حماية المصالح العليا الحقيقيّة للشعب، وتغليبِ مبدأ الشراكة الوطنيّة، وتعزيزِ الوحدة الوطنيّة، ذهبتْ قيادةُ فتح والمنظّمة إلى المزيد من الوحل والتيه، حتى بلغت اليومَ بوّابةَ «التنسيق الأمنيّ» مع العدوّ الصهيونيّ ــ وهذا تعبيرٌ مخففٌ عن الخيانة الوطنيّة الكبرى بحسب القانون الثوريّ لمنظمة التحرير.وعليه، صار الفاسدُ الفلسطينيُّ الرسميّ يبرّر كلَّ جرائمه السياسيّة، بما في ذلك طعنُ المقاومة في ظهرها، ويعتبر ذلك كلّه مجرّدَ «وجهة نظر».
على أنّ هذا الواقع الكارثيّ لم يطل حركة فتح وحدها، بل طال أيضاً كلّ قوى العمل الوطنيّ الفلسطينيّ، وخصوصاً «المعارضة اليساريّة» التي تواطأتْ أحياناً مع مؤسّسة الفساد أو وقفتْ عاجزةً أمامها. وعلى الرغم من أنّ الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين رفعتْ مبكّراً شعاراتٍ صائبةً، من نوع «نعم للإصلاح الديموقراطيّ في المنظّمة» و»نحو تطبيق مبدأ التمثيل النسبيّ الديموقراطيّ» وقانون «من أين لك هذا؟»، فإنّ هذه الشعارات بقيتْ موسميةً، ولم تذهب بها الجبهةُ إلى مرحلة تطبيقها وفرضِها على المؤسّسة السياسيّة. وعليه، فحين وصلت القاطرةُ الفلسطينيّةُ إلى مشارف أوسلو، كانت «المعارضة» قد فقدتْ جزءاً كبيراً من قوّتها الجماهيريّة وصدقيّتها. وإلى جانب تعرّض الجبهة الشعبيّة لحصارٍ ماليّ شرس (بما في ذلك وقفُ مخصّصاتها من منظّمة التحرير أكثرَ من تسع سنوات!)، وخسارتِها للعديد من مؤسّساتها بعدما ضعفتْ قدرتُها على حمايتها، فقد تجرّأ عشراتٌ من قياديّيها على الارتهان للتمويل الأجنبيّ والسعيِ إلى مواقع بارزة في السلطة؛ بل تمّ السطوُ على بعض مؤسّسات الجبهة من قبل قياديين غادروا الجبهةَ واختاروا حضنَ السلطة الفلسطينيّة!
أمّا حركة حماس فتكرِّر اليوم بعضَ سياسات فتح. فهي تسيطر على كلّ ما يتّصل بالقرار الأمنيّ والسياسيّ والاقتصاديّ في قطاع غزّة. فلا أحد يعلم مثلاً عن مصير أموال الزكاة التي تجمعها الحركة، وصولاً إلى ما يشبه النهبَ اليوميّ للاقتصاد الغزّيّ ولما يصل من أموالٍ عامةٍ إلى غزّة من خلال قنوات «حماس» والحكومة التي ترأّستْها لسنوات. ويعرف الناسُ في غزّة شخصياتٍ فلسطينيةً جرت تصفيتُها بسبب الفساد، وأخرى يجري تكريمُها رغم أنّها صنعت ثراءها الفاحش من مشاريع «التسوية» وفي مرحلة أوسلو من دون أن يحاسبها أحد. وليس سرّاً وجودُ ماليةٍ معلنةٍ للسلطة في غزّة، وأخرى سرية تُشْرف عليها «اللجنة الاقتصاديّة» التابعةُ للحركة. وإذا كان من حقّ «حماس» أن تكون استثماراتُها الخاصة سريةً كي لا يعلم عنها العدوُّ شيئاً، فليس من حقها التصرّفُ بالمال العامّ لأنّه حقّ الناس كافةً لا حقّها وحدها.
لقد بات الفسادُ السياسيّ الفلسطينيّ أحدَ أهمّ أسلحة العدوّ الصهيونيّ في حربه ضدّ شعبنا، وحجرَ العثرة الأكبر أمام تحقيق الوحدة الوطنيّة ذاتِها. وإنّ القضاء عليه قضاءً مبرماً يشترط إعادةَ بناء المؤسّسة السياسيّة الفلسطينيّة على قواعدَ ثوريةٍ وديموقراطيةٍ جديدة، من القاعدة إلى القمّة. بيْد أنّ محاربته اليوم تبقى مسؤوليةً وطنيةً، فرديةً وجماعيةً، ومهمةً نضاليةً بامتياز.
* كاتب عربي ــ فلسطين